أيمن شكل
بعد أن أقر الاتحاد الأوروبي أول قانون في العالم للذكاء الاصطناعي رسمياً ليدخل حيز التنفيذ، والذي يمثل أول عتبة في جهود الكتلة المكونة من 27 دولة لتنظيم التكنولوجيا، وحماية حقوق المواطنين الأساسية، فقد بات التساؤل الحاضر محلياً، هو هل نحن في حاجة إلى قانون مماثل؟ وهل يمكن الاسترشاد بالقانون الذي أقره الاتحاد الأوروبي؟ وكيف يمكن أن يسهم هذا القانون في التشجيع على الاستثمار والابتكار في الصناعة الواعدة للذكاء الاصطناعي؟
وحول الإطار القانوني أوضح المحامي زهير عبداللطيف أن القانون يهدف إلى تنظيم التطوير واستخدام نظم الذكاء الاصطناعي لضمان السلامة، والشفافية، والمسؤولية، وحماية حقوق الأفراد، مع تعزيز الابتكار الاقتصادي والتكنولوجي، وقد كان الاتحاد الأوروبي سباقاً في وضع هذا الإطار، فتم اعتبار قانون الذكاء الاصطناعي كتيباً إرشادياً شاملاً يحكم الصناعة في أوروبا، وقد يمثل أيضاً نموذجاً يحتذى به لحكومات أخرى ما زالت تنظر وتدرس وضع قوانينها الخاصة للذكاء الاصطناعي المتطور بشكل سريع، ويستوجب على المشرع البحريني النظر بجدية لبحث هذا الموضوع.
وقال عبداللطيف إن انتشار الذكاء الاصطناعي في كل مجالات الحياة من الصحة والتعليم وغيره من الأمن والعدالة تظهر مخاطر قانونية وأخلاقية ومنها؛ التمييز والتحيز في القرارات التلقائية، وانتهاك الخصوصية ومعالجة البيانات الشخصية، وانعدام الشفافية والمساءلة عند اتخاذ قرارات مهمة بواسطة الآلات، فضلا عن وجود الاستخدامات الضارة أو غير الآمنة مثل التلاعب بالمجتمع أو الاحتيال، وقد يصل إلى الخطر الأمني للدول.
ونوه زهير عبداللطيف بفوائد التنظيم القانوني حيث سيساعد على حماية حقوق الأفراد والمجتمع، وتحديد مسؤوليات المطورين والمشغلين، فضلا عن تعزيز الثقة في التكنولوجيا، وضمان الأمن والسلامة في التطبيقات الحرجة.
وأشار إلى المواد أو المبادئ المقترحة في قانون الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن تصنيف المواد الأساسية بالنظر إلى قانون الاتحاد الأوروبي من حيث:
1- الشفافية والمسؤولية، والتي ينص القانون الأوروبي فيها على «وجوب الإعلان عن أن المخرجات صادرة عن نظام ذكي دون تضليل، توثيق البيانات، طرق التدريب، وقرارات الخوارزميات، آليات استئناف أو شكوى عند حدوث خطأ أو ضرر».
2- تصنيف المخاطر، وذلك بتنظيم الذكاء الاصطناعي بناءً على درجة المخاطر التي يشكلها النظام، وتنقسم إلى مخاطر عالية ومخاطر غير مقبولة ومخاطر منخفضة.
3- البيانات والخصوصية، والتي تشمل قواعد لحماية المعلومات الشخصية وبيانات المستخدمين، بما يتوافق مع قوانين حماية البيانات، وتقييد الاستخدام غير المشروع.
4- الرقابة البشرية، من خلال التأكد أن هناك إشرافًا بشريًا قادرًا على التدخل في القرارات الأساسية، خصوصًا في المجالات الحساسة مثل الصحة والعدالة.
5- العقوبات، والتي تضع غرامات كبيرة على من يخالف القانون، والتي تصل إلى ملايين اليوروهات عند المخالفات الكبيرة في قانون الاتحاد الأوروبي. وحول مدى إمكانية استخدام القانون الأوروبي كنموذج، أكد عبداللطيف أن قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) يعتبر أكثر تشريع شامل في العالم حتى الآن، ويُنظر إليه كنموذج يمكن الاقتباس منه أو الاستفادة منه لتميزه بتنظيم قائمة واضحة للممارسات المحظورة، نظام تصنيف المخاطر، متطلبات صارمة للقيادة البشرية، الشفافية، الأمن، عقوبات وغرامات محكمة، تنظيم نماذج الذكاء الاصطناعي العامّة، واختتم قائلاً: «يمكن للدول الأخرى أن تعتمد بنوداً مماثلة، وتكيّفها مع بيئاتها، وأن تعتمد معايير عالمية متفق عليها في حال صدورها مع وضع نسخة معدّلة بما يتناسب مع خصوصية التشريعات المحلية».
البحرين لديها مقومات صياغة تشريع وطني
ومن وجهة النظر التقنية أشار المستشار التنفيذي لمركز سمو الشيخ ناصر للبحوث والتطوير في الذكاء الاصطناعي د. جاسم حاجي إلى أن مملكة البحرين تتوافر فيها مقومات عملية تهيئها لصياغة إطار تشريعي وطني خاص بالذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نضج البنية الرقمية، وتكامل منظومات البيانات، وقال إن هذا الواقع يجعل التشريع مساراً منطقياً ضمن تطور البنية التشغيلية، لا استجابة ظرفية لاتجاهات عالمية ولا تقليداً لنماذج تنظيمية صُممت لأسواق وسياقات مختلفة جذرياً عن البيئة البحرينية.
وأوضح حاجي أن الرؤية تتمحور حول بناء إطار حوكمة ذكي يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه بنية تشغيلية مؤسسية، لا مجرد أدوات تحليل أو أتمتة، حيث يُتصوَّر القانون كطبقة تنظيمية عليا تضبط دورة حياة الأنظمة الذكية كاملة، من تصميم النماذج، وهندسة البيانات، والتدريب، والاختبار، إلى النشر والمراقبة المستمرة، مع الحفاظ على مرونة كافية لاستيعاب التحولات السريعة في الخوارزميات، والبنى التحتية، ونماذج التشغيل.
من أين يبدأ المسار التشريعي؟
وأكد د. حاجي أن المسار التشريعي ينطلق من تحويل السياسات والممارسات القائمة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى إطار قانوني تدريجي، يقوم على تعريف واضح للنطاق، وتصنيف الاستخدامات، وربط الالتزامات بمستوى المخاطر والتأثير، وقال إن هذا المسار يمكن أن يُبنى على تكامل الذكاء الاصطناعي مع أطر حوكمة البيانات، والخصوصية، والأمن السيبراني القائمة، بما يسمح بإدارة الأنظمة الذكية كامتداد طبيعي للبنية الرقمية للدولة، وليس كمنظومة منفصلة ذات متطلبات متقاطعة أو متضاربة.
ولفت إلى تباين الخصائص التقنية والمخاطر التشغيلية للذكاء الاصطناعي بين القطاعات، لا سيما مع بروز الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة الوكيلة القادرة على التخطيط والتنفيذ شبه الذاتي، وقال: في هذا السياق، يُنظر إلى القانون بوصفه إطاراً عاماً يحدد المبادئ والمسؤوليات الأساسية، بينما تُدار التفاصيل التنفيذية بشكل مخصص لكل قطاع، وهذا النموذج يحقق اتساقًا تشريعيًا على المستوى الوطني، مع الحفاظ على مرونة تشغيلية تسمح بالابتكار والتجريب.
ونوه حاجي بالتجارب الدولية، وخصوصاً في قانون الاتحاد الأوروبي، والتي تقدم دروساً مهمة في تصنيف المخاطر، والشفافية، وتحديد المسؤوليات عبر دورة حياة أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكنها كشفت في الوقت ذاته أن الإفراط في التعقيد والتفصيل التشريعي قد يؤدي إلى إبطاء الابتكار وصعوبة التطبيق العملي، وقال: «في المقابل، تمتلك البحرين ميزة تصميم تشريع أكثر تركيزاً ومواءمة للسياق المحلي مع تمكين الابتكار، يأخذ في الاعتبار اللغة العربية، والبيئة الثقافية، وأنماط التفاعل المجتمعي منذ مرحلة التصميم والتدريب، لا كاعتبارات لاحقة، وهذا يسمح ببناء إطار قانوني قائم على النتائج والحوكمة المستمرة، وقابل للتكيف مع التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة الوكيلة، مع ضمان أن تعمل هذه التقنيات بانسجام مع القيم الاجتماعية، وخصوصية الثقافة في مملكة البحرين».
قانون يواكب تسارع الذكاء الاصطناعي
وشدد د. حاجي على أن القدرة على مواكبة التسارع في تطور الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة الوكيلة، ترتبط بصياغة قانون يركز على النتائج القابلة للقياس والحوكمة المستمرة بدلاً من تثبيت تفاصيل تقنية سريعة التقادم، وذلك من خلال إطار تشريعي ديناميكي يمكن أن يعتمد على لوائح تنفيذية قابلة للتحديث السريع، ومعايير تقنية مرجعية متغيرة، وآليات رقابة بعد النشر
(Post-deployment Oversight) تأخذ في الاعتبار سلوك النموذج في بيئة التشغيل الفعلية، لا في بيئات الاختبار فقط.
ويأتي ذلك بالتوازي مع صدور المعيار الدولي ISO-IEC 42001 مؤخراً، بوصفه أول معيار عالمي لأنظمة إدارة الذكاء الاصطناعي (AI Management Systems)، ما يوفر مرجعية حديثة يمكن الاستئناس بها في بناء الأطر المؤسسية والحوكمية، وبما يدعم مواءمة القانون البحريني مع أفضل الممارسات الدولية مع الحفاظ على مرونته وسيادته التنظيمية.
واختتم قائلاً: «في هذا التصور، لا يُنظر إلى القانون كأداة ضبط جامدة، بل كمنصة حوكمة مرنة تمكّن الابتكار المنظم، وتدعم تطوير نماذج متقدمة داخل البحرين، وتتيح للمؤسسات تبنّي تقنيات جديدة بثقة محسوبة.
قانون بهذه الصيغة لا يلاحق تطور الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يُهيّئ البيئة المؤسسية لاستيعابه، وإدارته، والاستفادة منه كعنصر استراتيجي في مستقبل البحرين الرقمي».
تحركات تشريعية
وحول رأي السلطة التشريعية في الموضوع أوضح النائب والمحامي محمد الأحمد أن مجلس الشورى كان قد تقدم باقتراح بقانون في هذا الشأن خلال أبريل 2024، ويراعي في نطاق تطبيقه عمليات البرمجة أو المعالجة أو التطوير لأنظمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تتم للاستعمال في الأغراض الشخصية أو مراعاة للاتفاقيات الدولية، وقد تحفظت عليه الحكومة.
وقال إنه تقدم باقتراح بقانون لاحق لتنظيم الذكاء الاصطناعي يسد الثغرات الموجودة في الاقتراح بقانون الخاص بمجلس الشورى، ويفترض أن يناقش في اللجنة التشريعية والقانونية، على أن تعطى الأولوية لمشروع قانون مجلس الشورى كونه الأقدم، وتم تقديمه بصيغة مشروع بقانون حيث يعتبر المقترح بقانون جزءاً مكملاً له.