في تقرير «منهجية اليونسكو لتقييم جاهزية الذكاء الاصطناعي (RAM)» الخاص بمملكة البحرين الصادر في نوفمبر 2025؛ يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه فرصة تنموية كبرى، لكنه في الوقت ذاته اختبار لحسن الحوكمة والعدالة وحماية الحقوق. فالمنهجية تنطلق من أن مكاسب الأتمتة والتحليل والتنبؤ قد تتحول إلى مصدر قلق إذا غابت الشفافية والمساءلة وضمانات الخصوصية، ومن هنا جاءت فكرة «الجاهزية» باعتبارها مزيجاً من سياسات وأطر بيانات ومهارات وثقافة ثقة عامة.

يرصد التقرير نقاط قوة مهمة للبحرين تستحق البناء عليها، أبرزها تسارع التحول الرقمي وتقدمها في مؤشرات الحكومة الإلكترونية، إضافة إلى تصنيفها ضمن الفئة العليا عالمياً في الأمن السيبراني. كذلك أشار التقرير إلى وجود بنية مستندةً إلى مسار من السياسات الداعمة؛ من «السحابة أولاً» وقانون حماية البيانات الشخصية، إلى الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني وتأسيس مركز سمو الشيخ ناصر للبحوث والتطوير في الذكاء الاصطناعي. ويضيف التقرير بُعداً تنظيمياً مهماً ليعزّز من «مركزية الحوكمة» والابتكار ويقلّل من تشتت القرار وذلك عبر تشكيل فريق للبحث في مجالات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، واستحداث إدارة الابتكار والتقنيات المتطورة تابعة لهيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية. القيمة هنا أن البناء اتجه -بشكل تراكمي ومدروس- نحو ربط الرؤية بالتشريع ثم بالتنفيذ، وهو ما تحتاجه الدول عندما تنتقل من مشاريع منفصلة إلى منظومة وطنية متكاملة.

وفي جانب السياسات التنفيذية، يشير التقرير إلى إطلاق سياسة وطنية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وإلى اقتراب نشر استراتيجية وطنية شاملة، مع توجّه تشريعي لتنظيم الاستخدام والترخيص والمساءلة وحظر التطبيقات الضارة. من منظور الإدارة العامة، فإن نجاح هذه المسارات لا يُقاس بعدد الوثائق؛ بل بوضوح الأدوار وسهولة الامتثال وقدرة الجهات على تطبيق الضوابط دون تعطيل الابتكار.

غير أن الاختبار الحقيقي الذي يحدّده التقرير يتمثل في البيانات والمهارات. فالذكاء الاصطناعي بلا بيانات عالية الجودة وقابلة للتبادل الآمن يظل محدود الأثر، لذا تبرز أهمية إطار وطني لحوكمة البيانات والتشغيل البيني ومشاركة البيانات، بالإضافة إلى إلزام كل جهة بملف توثيق لكل نموذج يتمّ استخدامه يوضح مصدر البيانات وسبب الاختيار وحدود الاستخدام، واختبارات دورية للتحيّز والدقة، ومراجعة مستقلة قبل تعميم الحلول الذكية على نطاق واسع، مع نشر نتائج مختصرة لرفع الثقة المجتمعية. وبالمثل، فإن الاستثمار في تدريب الكوادر على مهارات الذكاء الاصطناعي يُعدّ خطوة جوهرية إذا ارتبطت بمسارات وظيفية واضحة وتخصّصات دقيقة وفرص تطبيقية داخل الجهات الحكومية والقطاع الخاص.

ومن واقع العمل المؤسسي، فإن إدارة التغيير هي الجسر الذي يعبر عليه الذكاء الاصطناعي نحو الأثر؛ التقنية قد تكون جاهزة بينما يتردّد المستخدم في الاعتماد عليها؛ لذلك يلزم بناء ثقة داخلية عبر تدريب عملي وإرشادات استخدام وتجارب محدودة قبل التوسّع، مع إشراك المستفيدين في قياس جودة الخدمة.

لاشك أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أن تُدار مبادرات الذكاء الاصطناعي بمنهجية قياس العائد؛ أي أن تبدأ كل مبادرة بتعريف المشكلة وأصحاب المصلحة ومتطلبات البيانات، ثم تُربط بمؤشر محدّد مثل زمن إنجاز الخدمة، أو دقة القرار وجودته، أو خفض التكلفة، أو تحسين رضا المستفيد، مع مراقبة عدم التحيّز. كما أن إنشاء نموذج ملكية بيانات وخارطة مخاطر أخلاقية وآلية مراجعة دورية وتقارير أداء شفافة سيجعل الحوكمة ممارسة يومية ويضعها في سياقها المناسب.

إن الرسالة الأهم في التقرير هي أن البحرين تمتلك قاعدة قوية وأساساً رقمياً وأمنياً، ولديها فرصة حقيقية لتثبيت موقعها الإقليمي إذا انتقلت من جاهزية البنية إلى جاهزية المنظومة، ليصبح الذكاء الاصطناعي في البحرين ليس تقنية فحسب؛ بل عقداً اجتماعياً يوازن بين الابتكار والحقوق ويترجم الطموح إلى خدمات أفضل واقتصاد أكثر تنوعاً وأكثر ذكاءً.