استكمالاً لمقال الأمس، نقول بأن ما يحدث اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة مسار طويل من بناء شبكات النفوذ وتأسيس الجماعات المسلحة وتغذية الصراعات في أكثر من دولة.
النظام الإيراني وعبر سنوات طويلة، عمل على تطوير ترسانة عسكرية كبيرة والمضي في مشروعه النووي، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول الأهداف الحقيقية من وراء ذلك. فلو كان الهدف هو الدفاع أو تحقيق التوازن، لما كانت هذه القدرات تُستخدم في تهديد الجيران اليوم بشكل مباشر، وزعزعة استقرار المنطقة، بل الهدف قتل الأبرياء.
هنا يبرز سؤال جوهري، إذ ما الذي كان ينتظره هذا النظام من كل هذا التسلح؟! هل كان الهدف مواجهة الأخطار الخارجية، أم فرض واقع جديد على المنطقة عبر القوة والضغط العسكري؟! الواقع الذي نراه اليوم يوحي بأن هذه الترسانة لم تُبنَ من أجل السلام، بل من أجل تعزيز مشروع سياسي يقوم على التوسّع والتأثير.
المنطقة لن تعرف الاستقرار الحقيقي ما دامت هذه السياسات قائمة. فنهج يقوم على التدخل في شؤون الآخرين وتسليح الجماعات المسلحة وتهديد الدول المجاورة لا يمكن أن يقود إلى سلام دائم. ولعل الخلاص الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة هذه السياسات، بل في التطلع إلى مستقبل مختلف لشعوب المنطقة، بما في ذلك الشعب الإيراني نفسه.
الكثير من الإيرانيين، وخاصة أولئك الذين لا ينتمون إلى التيارات المؤدلجة، يتطلعون إلى حياة طبيعية يسودها السلام والاستقرار، بعيداً عن الصراعات الخارجية والمخططات العسكرية. هؤلاء أيضاً يدفعون ثمن سياسات النظام الذي يحكمهم بقبضة صارمة، ويقيد طموحاتهم في بناء دولة طبيعية تنفتح على العالم وتعيش بسلام مع جيرانها.
سقوط النهج العدائي الذي يتّبعه هذا النظام المجرم قد يكون في النهاية فرصة لولادة مرحلة جديدة في المنطقة، مرحلة تقوم على التعاون بدل الصراع، وعلى التنمية بدل الحروب. فاستقرار الخليج والعالم العربي لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل علاقات تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في شؤون الآخرين.
اتجاه معاكس
الموقف في ظل هذه الأوضاع يظل واضحاً وبسيطاً، إذ حين يتعرّض الوطن للتهديد، لا مجال للحياد أو المواقف الرمادية. فإما أن يكون الإنسان مع وطنه وأمنه واستقراره، وإما أن يقف في الجهة الأخرى التي تُبرر الاعتداء وتغضّ الطرف عن الخطر، ويعلن نفسه خائناً بشكل صريح. هنا التاريخ علمنا أن الأوطان تبقى قوية بوحدة أبنائها ووضوح مواقفهم، وأن الشعوب التي تدرك حقيقة التحديات التي تواجهها تكون أكثر قدرة على حماية مستقبلها وصون أمنها.