في ليلة باردة من ليالي الخميس، أول يناير، ومع بداية سنة جديدة، كان الجو يلوّن الأثواب قبل أن يلوّن الوجوه. بردٌ خفيف يوقظ الحنين أكثر مما يقرص اليدين. في تلك الليلة، كان حفل عقد قران أخي عبدالله، وكانت أفراح العباسي والمطوع تحتضنها مجلس بيت العود في المنامة، ذلك المكان الذي لا يحتاج إلى تعريف، لأن جدرانه وأبوابه الخشبية شهدت جزءًا من تاريخ البحرين، واستقبلت وجوهًا صنعت أثرها بهدوء؛ بيتٌ بقي حيًّا، لأن الذاكرة فيه وجدت من يصونها.

وأنت تعبر البوابة، ثم تمضي خطوات قليلة عبر الدهليز، يستقبلك باب البيت الخشبي. تدخل بيت العود، وتتنقّل في ممرٍ تصطف على جانبيه الأبواب، حتى تنفتح المساحة على الحوش في الوسط، حيث تقف نخلة بهدوء، كأنها شاهدة على كل الأحداث التي مرّت من هنا.

الناس يدخلون، يسلّمون، وتختلط الابتسامات بأصوات التهاني ورائحة القهوة والشاي الساخن. الغريب أن دفء الاستقبال كان أقوى من أي كوب شاي.. وكأن البيت نفسه يرحّب.

في وسط هذه الأجواء، رفعت رأسي قليلًا، فلاحظت شيئًا: هواتفهم ترتفع، يلتقطون صورًا، يسجّلون فيديوهات، يرسلون «ستوري» هنا و«واتساب» هناك. العرس يُعاش لحظته.. ويُؤرشف رقميًا في نفس الثانية.

وبين هذا المسار المفتوح، كنت أتنقّل، كأنني نقطة عبور بين المشاهد: تارة عند الباب أستقبل المهنئين وأدلّهم على الطريق، وتارة في وسط الحوش أرحّب وأوجّه، وتارة في المجلس أقرّبهم من المعرس، ثم أعود لأودّع وجوهًا وأستقبل أخرى. وفي خضم هذا التنقّل بين الوجوه والممرات، خطر لي سؤال بسيط، لكنه مزعج قليلًا: بعد سنوات، من سيشهد أن هذه الصورة حقيقية؟ ومن سيقول إن هذا الفيديو لم يُعدّل، ولم تُقصّ أطرافه، ولم تُبدّل ملامحه؟

زمان، كان المجلس هو الشاهد. من حضر يعرف، ومن غاب يسأل، والذاكرة الجماعية تحفظ الحدث. اليوم، صرنا نعتمد على ذاكرة رقمية سريعة، لكنها هشّة. صورة تتعدل، فيديو يُقتطع، وذكرى تُلبس ثوبًا غير ثوبها. وهنا يظهر مفهوم تقني جميل اسمه «الأصل الرقمي» أو Digital Provenance.

الفكرة ببساطة: كل محتوى رقمي—صورة، فيديو، تسجيل—يكون له «سجل نسب». من صوّره؟ متى؟ هل عُدّل؟ وما الذي تغيّر فيه؟ كأنك تضع بطاقة تعريف للذكرى، تقول: «أنا هذه... وهذا أصلي». وكما نقول عندنا:«العلوم تبين من أصولها».

أهمية هذا الموضوع لا تقتصر على العرس والصور العائلية. في زمن الذكاء الاصطناعي، صرنا نرى مقاطع لم تُصوّر أصلًا، وأصواتًا لم تُسجّل، ووجوهًا لم تحضر. من غير توثيق، يصبح كل شيء قابلًا للتشكيك. اليوم نضحك، وغدًا قد نختلف لأن صورة «طلعت» في غير سياقها.وأنا منشغل بزحام مجلس بيت العود، فكرت أن التقنية تحاول، بطريقتها، أن تقلّد هذا المكان. تريد أن تكون «مجلسًا رقميًا» يقول: هذا صحيح، وهذا دخيل. لكنها—بعكس البيت—تحتاج قوانين ومعايير حتى تقوم بدورها.

ربما لن نفكر في «الأصل الرقمي» ونحن نستقبل أو نلتقط صورة جماعية، لكن بعد سنوات، حين نفتح الألبوم الرقمي، سنحتاج إلى شاهد عدل. ووقتها، سنفهم أن بعض التقنيات لا تُبنى للمستقبل فقط، بل لحماية الماضي.

وفي النهاية، سواء كان الشاهد نخلة في حوش بيت العود، أو سطر بيانات في ملف صورة، تبقى الفكرة واحدة: الذكريات تستحق من يحفظ أصلها، وكل من حضر أو شارك، ترك أثره كما تُترك البصمة بهدوء، فأصبح جزءًا من ذاكرةٍ إنسانية دافئة، ومن تاريخٍ رقمي أُضيف بهدوء إلى أرشفتها، كما تُضاف الذكريات بلا ضجيج.

* خبير تقني