بدأنا عاماً جديداً لا نعلم ما يخفيه من أحداث وأفراح وأتراح، ولا ندري هل سيكون مثل سابقيه من تلك الأعوام التي انتظرنا منها أن تعطينا كل شيء فجاءت بالنزر اليسير وأفاضت بكل ما هو متعب ومثير.
لا أريد أيها القارئ العزيز أن أضعك في منطقة اليأس من بداية هذه السنة، فمن حقك التفاؤل والبحث عن السعادة ولكن يجب أن يكون تفاؤلك حذراً، وبحثك عن السعادة حثيثاً، وتأكد أن الراحة لن تأتيك إلا في بضع ساعات من النوم، ثم تستيقظ لتركض ويطاردك التعب.
اعلم يا صديقي وأخي وشريكي في هذا العام الجديد، أنه قد لا يحمل الكثير من الأمور الجيدة، فهي أصبحت نادرة في أيامنا تلك، ومع ذلك فمعايير قياس الجودة للأمور قد تختلف بينك وبيني وفي شؤون الآخرين، فما قد تجده لا يستحق التقدير، هو عند الآخرين عظيم وكبير، وما تشعر معه بسعادة -للحظات أو ساعات- هو عند آخرين ليس بالشيء الذي يُذكر ويقدّر.
لقد شهدنا في عامنا المنتهي ما اعتقدنا أنه أحلك ظلمات الأزمان، ونكاد نُقسم بأغلظ الأيمان أنه العام الأكثر سوءاً في حياة البشر، لكن قد يفاجئك هذا العام الجديد بأن الظلمات لديها مزيد من درجات اللون الأسود لم نعرفه بعد.
وقد يدعوك زملائي من أصحاب القلم، للتفاؤل ومواصلة التحدي وحفر الصخور وصولاً للإنجازات، وهم على حق في دعواهم، لكن لا تجعل التفاؤل يُلقي بك في بحيرة السراب.
هي أيام تخصم من رصيدنا على هذه الأرض، والحكيم من جمع فيها رصيداً ليوم الحساب، فلا تظلم أحداً ولا تسرق سعادته ولو مثقال ذرة، فما تكسبه من ظلم وسرقة لن يكون إلا خسارة كبيرة عند ربك يوم اللقاء، ولا تعتقد أن التحايل على الناس «شطارة» أو كما يقال «فهلوة» لأنها ستكون في الآخرة خسارة ما بعدها خسارة، ويومئذ لن تجد فرصة لتعويض تلك الخسارة.
يا من تسرق وتزيد من أموالك بزعم تأمين مستقبل أبنائك، اسمع قوله تعالى (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة)، فمن تحبهم وتسرق من أجلهم ستخسرهم حين تكون الخسارة أبدية لا رجعة فيها.
إخواني القرّاء الأعزاء، كل عام وأنتم تعيشون أياماً «معقولة»، ولا أقول سعيدة لأن الإنسان يتقلب في يومه بين السعادة والغضب والألم والحزن واللاشيء، ولا شيء يدوم من كل هؤلاء إلا يوم نلقى الله ونجد السعادة بمعناها الصافي الخالي من أية مشاعر سلبية أخرى.
واجعلوا هذا العام هو عام «بداية جمع الحصاد».. حصاد مستمر لكل ما يقربنا إلى الله سبحانه وتعالى ويرضيه، فما هي إلا فترة محسوبة عنده جل وعلا، يمشيها الإنسان ويجمع فيها حصاد أعماله، وليترك البحث عن السعادة ويحاول أن يجد الرضا والقناعة والاستسلام لأمر الله، فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، سبحانه صاحب الأمر من قبلُ ومن بعد.
فلا تفكّر في عام سعيد أو عام سيئ، واترك هذا كله لرب كل الأعوام السابقة واللاحقة، واعمل ما يرضيه، عله يرحمنا جميعاً ويسعدنا يوم أن نؤتى كتبنا بيميننا لنعيش العيشة الراضية التي وعدنا إياها..
يا رب.
* قبطان - رئيس تحرير جريدة «ديلي تربيون» الإنجليزية