في تلك الليلة التي قررت فيها البحرين أن تودّع عاماً وتستقبل آخر، لم تكتفِ بأن تفتح بوابة الزمن عند منتصف الليل، بل اختارت أن تحكي حكايتها كاملة، كما لو أنها تعرف قيمة اللحظة، فتنتقي من حُليّها أثمنها، ومن زينتها أصدقها، لتقف أمام العالم واثقة بما أنجزت، ومتصالحة مع ما تطمح إليه، ليلة رأس السنة الميلادية لم تكن احتفالاً عابراً، بل مشهداً سردياً مكتمل العناصر، كُتب على امتداد السماء والبحر والناس.
بدأت الحكاية منذ المساء، حين تدفّق المواطنون والمقيمون والزوار إلى مجمع الأفنيوز، وضاحية السيف، والبحرين هاربر، ومراسي البحرين، وخليج البحرين، ومركز البحرين التجاري العالمي، والمنطقة الممتدة بين جسري الشيخ حمد والشيخ عيسى بن سلمان.
لم تكن الحشود أرقاماً، بل نبضاً جماعياً يوحي بأن الوطن حين يفرح، يفتح ذراعيه للجميع، العائلات، الأطفال، السائحون، والوجوه المبتسمة صنعت مشهداً إنسانياً دافئاً يسبق الانفجار البصري المنتظر.
ومع اقتراب العدّ التنازلي، بدا وكأن السماء تستعد لطقسٍ مهيب، عند الثانية عشرة تماماً، ارتفعت 2500 طائرة درون، لا لتُبهر العين فقط، بل لتكتب رسالة ذكية بلغة العصر، تشكيلات ضوئية مرسومة بدقة حسابية، تُدار بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، تحوّلت إلى بيان بصري يقول إن البحرين التي صانت تاريخها، تعرف اليوم كيف تُجيد صناعة المستقبل، لم يكن العرض استعراضاً تقنياً فحسب، بل تجسيدًا لفلسفة وطن يرى في التكنولوجيا امتداداً طبيعياً لمسار التنمية، وفي الذكاء الاصطناعي أداة تُحوّل الفكرة إلى صورة، والحلم إلى واقع مشهود.
تزامنت الألعاب النارية مع تلك التشكيلات، فانفجرت الألوان فوق المنامة والساحل الشمالي، وارتفعت الصيحات، وتوثّقت اللحظة بعدسات الهواتف، لا بدافع الاستعراض، بل خوفاً من أن تضيع ذاكرة الجمال، عشر دقائق فقط، لكنها اختزلت سنوات من العمل، والاستثمار في البنية الرقمية، والجاهزية التقنية، والرؤية التي تراهن على القادم بثقة.
على الأرض، اكتملت الحكاية بتفاصيلها الصغيرة: أسواق جانبية، عربات طعام، واجهات بحرية تحوّلت إلى مساحات لقاء، وضحكات عائلية أعادت للفرح معناه البسيط، هناك، ظهرت البحرين على حقيقتها؛ بلد يعرف أن أعظم زينة هي الناس، وأن الاحتفال لا يكتمل إلا بهم.
ولم تكن التغطية الإعلامية المحلية والعالمية، من تلفزيون البحرين إلى كبرى القنوات الدولية، سوى صدى طبيعي لمشهد صُنع بإتقان، فحين تُحسن الدول سرد قصتها، تُصغي لها العيون من كل مكان.
هكذا اختُتم موسم «أعياد البحرين 2025»، لا كنهاية احتفال، بل كبداية فصل جديد، وكأن البحرين، وهي تستقبل 2026، تقول للعالم من سمائها المضيئة: نحن قادمون، نغمس إنجازاتنا بكل جديد، ونوثّق عطاءنا بلغة التقنية، ونمضي بثبات نحو غدٍ يعرف كيف يجمع بين الهوية والابتكار.
* إعلامية وباحثة أكاديمية