لطالما كانت التوجيهات الملكية السامية هي البوصلة الدقيقة التي توجّهنا نحو الفهم العميق لمفهوم «الهوية الوطنية»، مؤكدةً في كل محفل أن الهوية ليست مجرد إرثٍ جامد أو مظاهر احتفالية عابرة، بل هي منظومة قيمية راسخة وسلوك حضاري يعكس معدن هذا الوطن وأهله.
ومن هذا المنطلق الملكي السديد، نُدرك أن الهوية التي ننشدها تتجاوز القشور البصرية من أزياء ورقصات وشعارات -رغم أهميتها كحوامل ثقافية- لتغوص في عمق «السمت» الإنساني والأخلاقي؛ فالهوية بلا مضمون قيمي تظل غلافاً مذهّباً لكتاب فارغ.
وبصفتي مراقباً للمشهد الإعلامي والاجتماعي لعقود، وممارساً للعمل الإنساني الذي امتد لعقود، أجد لزاماً علينا اليوم الالتزام بتلك التوجيهات الملكية لإعادة تعريف الهوية الوطنية تعريفاً يعيد الاعتبار لـ«السمت» و«الخلق» قبل الشكل والمظهر.
ففي تراثنا العربي الأصيل، كان يُقال عن فلان إن «سمته حسن»، والسمت هو تلك الهالة التي تحيط بالإنسان نتاج وقاره وصدقه واحترامه للآخر؛ لذا فإن الهوية الوطنية الحقيقية هي «سمت جمعي» يُعرف به ابن الوطن في المطارات الدولية والمحافل الإنسانية بأمانته وانضباطه قبل لون جواز سفره.
إن الخبرة الطويلة في ميادين العمل الإنساني علمتني درساً جوهرياً يتقاطع تماماً مع الرؤية القيادية لقوتنا الناعمة؛ وهو أن المستفيد من المساعدات أو الشريك في التنمية قد ينسى ملامح وجهك، لكنه لن ينسى أبداً كيف جعلته يشعر، وهل حفظت كرامته وتعاملت معه بتواضع أم لا.
هنا تتجلى الهوية الوطنية الحقة، فهي «كرم النفس» قبل كرم اليد، وهي سلوك الموظف الحكومي الذي يخدم الناس بتفانٍ، وسلوك المواطن الذي يمثّل قيم النزاهة والإتقان، فيكون كل منهما سفيراً حقيقياً لبلاده، بعكس من يكتفي بارتداء الزي الوطني بينما يسيء لتاريخه بسلوك فظ أو متراخٍ.
ولا يخفى علينا اليوم خطر الانزلاق نحو «تسليع الهوية»، خاصة لدى جيل المنصات الرقمية، حيث قد يطغى هاجس توثيق المظهر والزي في المناسبات الوطنية على الالتزام بالقيم التي قام عليها الوطن.
لذا، فإن الرسالة التي يجب أن نوصلها بوضوح للجيل الجديد هي أن الزي الوطني هو «عهد» ومسؤولية، وليس زياً تنكّرياً للمناسبات؛ فالهوية ممارسة يومية شاقة تظهر في احترام النظام، ونظافة الأماكن العامة، وصدق الكلمة.
همسة
نهمس في أذن كل مربٍّ ومسؤول: إن الترتيب الصحيح لغرس الهوية الوطنية يبدأ بالأخلاق ثم المظاهر؛ فالبناء يبدأ من الداخل بترسيخ القيم والضمير، ثم يكتمل بالمظهر تتويجاً لهذا الجوهر لا بديلاً عنه. فالوطن لا يحتاج فقط إلى صور جميلة تُعلّق على الجدران، بل يحتاج إلى نفوس جميلة تمشي على الأرض.. فالهوية هي السلوك، والوطنية هي الأخلاق.