القوانين التقليدية التي تنظم ساعات العمل، والإجازات، والتعويض عن إصابات العمل لم تنشأ في فراغ، بل كانت استجابة تشريعية مباشرة للتغيرات المجتمعية العميقة التي أحدثها ظهور المصنع والإنتاج الكمي.

واليوم نرى الذكاء الاصطناعي يقدم لنا مرحلة جديدة لإعادة التفكير في تشريعات العمل التي ارتبطت به، من حيث كيفية أداء العمل وإدارته وحتى كيفية تكيفها مع تحديات وفرص العمل في القرن الحادي والعشرين.

وكنت قد تطرقت في مقال سابق إلى قضية المرأة والذكاء الاصطناعي، إلا أنني أواصل بحث إشكالية «التحيز الخوارزمي» بعدما ارتفع مستوى استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات واتخاذ قرارات ومنحه الاستقلالية، مما يثير أسئلة معقدة حول المسؤولية والعدالة والسيطرة في علاقة العمل، والخطر الكامن في التحيّز الخوارزمي، فبعد أن كانت التكنولوجيا محايدة -أو يعتقد ذلك- إلا أنها باتت اليوم متهمة بالانحياز غير المسؤول.

ولا يقتصر الأمر على فرص التوظيف أو الترقية، بل يمتد إلى تقييم الأداء ذاته. وعلى سبيل المثال إذا كان لدى مؤسسة قوة عاملة يغلب عليها الذكور، فقد يستنتج نظام الذكاء الاصطناعي بصورة غير واعية أن الذكورة مؤشر على النجاح، مما يؤدي إلى تقليص فرص النساء بشكل منهجي، كما قد يخطئ النظام في قياس حجم العمل والحضور والانصراف وساعات العمل الفعلية، دون مراعاة الظروف الفسيولوجية للمرأة العاملة سواء المتزوجة أو التي لديها طفل رضيع، والإجازات الخاصة بالحمل والوضع، وبالتالي ينشأ لدى المؤسسة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي حاجز غير محسوس أمام تكافؤ الفرص، وهذا التحيّز قد يكون غير مقصود نتيجة بيانات، لا يدركها النظام.

ولن يستشعر الذكاء الاصطناعي الأبعاد الاجتماعية والظروف الإنسانية لكل موظف وما قد يصيبه من أحداث قد تؤثر على يومه الوظيفي، وهنا أيضاً تظهر مشكلات المرأة العاملة وتطل برأسها لنجد الذكاء الاصطناعي المتهم الأول عن التحيز غير المدروس في تقييم الموظف.

هذا النظام قد لا يستثني من آثاره السلبية حتى صاحب العمل، والذي قد يتخذ قرارات فصل للعامل بناء على استنتاجات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يضعه أمام مواجهات قانونية لم يكن في حاجة للوصول إليها أو إلى أبواب المحاكم العمالية. ولقد منح الذكاء الاصطناعي أصحاب العمل قدرة فائقة على مراقبة العامل بطرق لم تكن موجودة على طاولة مناقشة التشريعات العمالية، وهذا قد يثير قضايا معقدة حول الخصوصية، مثل مراقبة وتسجيل المكالمات والاحتفاظ برسائل البريد الإلكتروني، وحتى المراقبة خارج نطاق بيئة العمل مع الذين يعملون عن بُعد.

لقد تطرّق كثيرون لمشكلة إحلال الذكاء الاصطناعي مكان العامل، وأثر ذلك على البطالة، لكن مشكلة التحيّز الإلكتروني في تقييم العامل والظروف الطبيعية والإنسانية، وخاصة ظروف المرأة العاملة واختلافها عن طبيعة عمل الرجل، لم تكن مطروحة للنقاش، إلا أنها اليوم باتت واقعاً يستوجب البحث والدراسة والتفكير في تشريعات تحفظ حقوق العمال أمام الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على حقوق المرأة العاملة والتي ستكون الأكثر تضرراً من تقييمات الذكاء الاصطناعي.

دعوة للمشرّعين وأهل الاختصاص للبحث والتقصي والبدء مبكراً في تعديل قوانين العمل لمواكبة هذا العصر الجديد والذي دخل علينا بسرعة كبيرة دون أن نحسب تداعياته.