تبدأ حكاية كل إنسان من لحظة يقرر فيها أن يقول: ومن هنا أبدأ. فالبدايات ليست واحدة، كما أن الرحلات لا تتشابه، فهناك من يختار أن يبدأ من جديد بعد تعثر، وهناك من يستكمل مساراً كان قد شرع فيه، وآخرون يتخذون من هذه العبارة دافعًا للمضي قدماً بثبات وطمأنينة، إن تحديد نقطة البداية يمنحنا القدرة على تقييم خطواتنا، ويجعل لكل إنجاز قيمة نستحق أن نكافئ أنفسنا عليها. فالحياة ليست هدفاً واحداً ولا طريقاً مستقيماً، بل مسارات متعددة نسلكها تباعاً، بحكمة وانتظام، لتجنب عثرات الطريق وتحدياته.
لا يخلو الإنسان من التجارب، ولا تنفصل حياته عن المحاولات، فبين النجاح والإخفاق تتشكل شخصيته. وغالباً ما يكون الفشل وقوداً للاجتهاد ومصدراً للنضج، فنحن نقيس تجاربنا وتجارب غيرنا بميزان ما مررنا به سابقاً. وهنا تبرز عبارة ومن هنا نبدأ كقاعدة صلبة يبنى عليها الطموح، إذ لا ينبغي انتظار من يقودنا أو يرسم لنا الطريق. فليست كل الطرق مناسبة للجميع، والاختلاف في القدرات والظروف يفرض اختلاف المسارات. ومن هنا تأتي أهمية الاعتماد على النفس والاجتهاد الشخصي في اختيار الطريق الصحيح.
ومثالاً على ذلك، يمر الإنسان منذ نشأته بمحطات عديدة، قد تتشابه بعضها مع الآخرين وتختلف أخرى بحسب شخصيته وخياراته. ولسنا هنا بصدد المراحل التقليدية كالدراسة والعمل وتكوين الأسرة، فهذه مسارات عامة يسلكها كثيرون بنمط متقارب. إنما المقصود هو السعي لاكتشاف طرق تُمكّن الإنسان من بلوغ التميز، سواء في منصب أو إنجاز أو نجاح خاص. فهذه الطرق تحتاج إلى وعي داخلي وبداية حقيقية يقررها الإنسان بنفسه، ويؤسسها منذ لحظة قوله: ومن هنا نبدأ.
إن سر النجاح لا يكمن في البداية ذاتها بقدر ما يكمن في تفاصيل الطريق بعدها. قد تتشابه الانطلاقات، لكن الفارق الحقيقي يظهر في التخطيط، والاستمرارية، والإصرار. ولتحفيز الذات، لا بد من مبدأ واضح، وكلمة تكون نصب الأعين، تتحول إلى نقطة انطلاق يراها الآخرون بعين الفخر والنجاح. فالبدايات الناجحة لا تلهم من تعثروا فقط، بل تحفّز حتى الناجحين على خوض تجارب جديدة تعزز وصولهم إلى أهدافهم، إذ إن التجارب الإنسانية في جوهرها مشتركة ومتداخلة.
ومن النصائح المهمة في هذا السياق، ألا نربط عبارة ومن هنا نبدأ بتاريخ محدد أو بوقت معين أو ببداية عام جديد. فالتقيد بالزمن قد يصبح عائقاً بدل أن يكون دافعاً، لأن الزمن لا ينتظر أحدًا. البداية الحقيقية تنطلق من قرار صادق، في اللحظة التي تنوي فيها الالتزام بتلك الكلمة. عندها تتحول ومن هنا نبدأ إلى أقوى حافز، سواء كانت البداية في مطلع العام، أو في منتصفه أو حتى في نهايته. فالطموح لا يقاس بالزمان، بل بالإصرار، وبالسعي المتواصل، وبالقدرة على أن تكون نموذجاً ملهماً لمن حولك.