فعاليات البحرين الأخيرة نافذة تُطلّ منها المدن على ذاكرتها، وتعيد عبرها تشكيل علاقتها بالناس. وبين ليالي المحرق وهَوَى المنامة تتجلى هذه الحقيقة بوضوح؛ فالأولى تستعيد دفء الفرجان والدواعيس، ووهج البيوت القديمة، بينما الثانية تعيد نبض الأسواق والشوارع، وتحوّل العاصمة إلى مسرح اقتصادي وثقافي وسياحي نابض بالحياة.

تبدو المنامة في هذا الموسم وكأنها تستعيد دورها التاريخي، ليس فقط كمدينة تجارية، بل كحاضنة للتعايش، ومركز للحرف، وفضاء للثقافة، ومنصة للمشاريع الصغيرة. وهذا ما يميّز «هَوَى المنامة» تحديداً، إذ لا يكتفي بإحياء الذاكرة، بل يربطها بحاضر اقتصادي متجدد، كما يكشف الكتيّب الرسمي للفعالية.

تتوزع الفعالية على شوارع ومناطق كاملة، من شارع الخليفة إلى ساحة الفاضل، ومن ساحة الطواويش إلى مجمع الزينة وبتلكو ويتيم، في خريطة واسعة تُظهر حجم النشاط الاقتصادي الذي يغطي المدينة. فهنا تتجاور الحرف التقليدية مثل فخار عالي، ومسابيح البحرين،

أبو هلال للسلال، الغرافة للعود مع المشاريع الشبابية الحديثة، والمقاهي المتخصّصة، ومتاجر الأزياء والعطور، في مشهد يعكس قدرة المنامة على دمج القديم بالجديد دون أن تفقد روحها.

وتبرز القيمة الاقتصادية للفعالية في تنشيط قطاع التجزئة، ورفع مبيعات المقاهي والمطاعم، وتحريك اقتصاد وسياحة، ففي المنامة تخلق الفعالية فرصاً واسعة للحرفيين وروّاد الأعمال، وتعيد توزيع الحركة التجارية داخل العاصمة بطريقة أكثر عدالة وفعالية. هذا التنوع الاقتصادي يجعل «هَوَى المنامة» مشروعاً حضرياً متكاملاً، يُبنى عليها سنة بعد سنة، لا مجرد فعالية ترفيهية.

أما على المستوى الثقافي، فتقدّم المنامة نفسها كمدينة تُقرأ لا تُزار فقط. فالمتاحف المصغّرة، مثل متحف البريد، متحف كرة السلة، متحف كانو، تفتح أبوابها لزوار يبحثون عن قصة المدينة، بينما تقدّم الجولات السردية مثل حكايات السفرة، قصص المدينة، حين تمشي المدينة معنا تجربة معرفية تعيد قراءة الأزقة والأسواق من منظور جديد. وتضيف ورش العمل الفنية -من الفخار إلى الخط العربي- بعداً تعليمياً يعزز حضور الثقافة في الحياة اليومية.

وفي الجانب السياحي، يقدّم «هَوَى المنامة» نموذجاً لمدينة تتحول إلى وجهة متكاملة. فالتجارب الترفيهية مثل Ball Pool وبيت الرعب، والألعاب الشعبية في ساحة الطواويش، والعروض السينمائية في مسرح المنامة، كلها عناصر تجعل الزائر يقضي وقتاً أطول، وينفق أكثر، ويعود مجدداً حيث التجربة والمشاهدة.

المنامة، مدينة تتنفس عبر أهلها، وتنهض بتراثها، وتحتضن تنوعها، وتقدّم نفسها للعالم كعاصمة نابضة بالحياة.. فما أجمل أن ينتهي موسم ليالي المحرق ليبدأ هوى المنامة كجناحين لروح بحرينية، ولذاكرة وتاريخ لاتزال قادرة على الإبهار وإثارة الإعجاب رغم التطور في كل مكان، مع فتح الباب واسعاً لأفكار التطوير والمشاريع التي حتماً سنراها واقعاً مع تجدّد كل موسم، عاماً بعد عام.