في أول يوم عمل من عامٍ جديد، وصل سلمان إلى مكتبه قبل الجميع بدقائق. أخرج ورقةً مطوية كتب عليها ليلاً قراراته: سأرفع إنتاجيتي، سأطور مهارتي، سأكون حاضراً أكثر مع أسرتي. علّقها بجانب الشاشة كمن يعلّق خارطة طريق، ثم تنفّس بعمق وهو يظن أن البداية تُكتب بمجرد أن تُكتب الكلمات. لكنّ ساعات الدوام لم تمنحه رفاهية البداية؛ رسائل عاجلة، مهام طارئة، واتصالات تتسابق كأنها تختبر صدق الوعود منذ الدقيقة الأولى. اكتشف سريعاً أن التقويم قد يمنحنا شعوراً جميلاً بـ«بداية جديدة»، لكنه لا يمنحنا تلقائيًا طاقة جديدة ولا معنى جديداً.

في الاجتماع الصباحي، أعلنت الإدارة عن خطة تطوير شاملة ستغير كل شيء. ابتسم الحضور على استحياء، بينما شعر سلمان بثقلٍ خفيّ يشبه الإرهاق أكثر من الحماس. ليس رفضاً للتطوير، بل لأن التغيير حين يأتي كواجبٍ متكرر دون سياق إنساني ودون دعمٍ واضح أو مشاركة فاعلة، يتحول إلى ضغطٍ يستهلك الدافعية بدل أن يوقظها. خرج وهو يهمس لنفسه: ربما ليست المشكلة في قدرتي على العمل.. ربما المشكلة في الطريقة التي أُحمّل بها نفسي هدفاً فوق هدفٍ دون أن أسأل: لماذا؟

وفي المساء، جلس مع صديقه المدرب. لم يسأله: كم هدفاً كتبت؟ ولا هل جدولك مضبوط؟ بل سأله سؤالاً واحداً أربكه: ما المعنى الذي تريد أن تعيشه هذا العام؟ ثم أضاف: من الذي تريد أن تصبحه؟ عندها فهم سلمان شيئاً بسيطاً لكنه حاسم: الأهداف التي تبدأ بالأرقام تنتهي غالباً بالإجهاد، لأن الأرقام وحدها لا تمنح القلب سبباً للصبر. أما الأهداف التي تبدأ بمعنى شخصي واضح، فهي التي تصمد حين تتزاحم الأيام.

عاد سلمان إلى ورقته وتأمل جملته الأولى: «سأرفع إنتاجيتي». اكتشف أنها ليست بريئة كما تبدو؛ فهي تعني ساعات إضافية، وذهناً يبقى عالقاً في العمل حتى وهو في البيت، وقد تعني تلقائياً حديثاً أقل مع أسرته، ولعباً أقل مع ابنه، وتأجيل مكالمة الأم والأب بحجة الانشغال. أدرك أن كل «نعم» لهدفٍ جديد هي في الحقيقة «لا» لشيء آخر، وأن القضية ليست كثرة الأهداف، بل ثمنها الخفي في الوقت والعلاقات والطمأنينة.

قرر أن يعكس المعادلة: قبل أن يسأل «كم سأحقق؟» سيسأل «لماذا يهمني هذا؟» كتب تحت كل هدف سبباً واحداً صادقاً: لأكون أكثر نفعاً دون أن أستنزف نفسي، لأتعلم لأجل قيمةٍ أؤمن بها لا لأجل مظهرٍ اجتماعي، ولأكون حاضراً مع أسرتي لأنهم معنى يومي لا وقت فائض. ثم اختصر هدفين لامعين على الورق ليكسب هامشًا حقيقيًا للحياة: ساعة يومية بلا هاتف مع ابنه، ونصف ساعة مشي ثابتة، ومراجعة أسبوعية مرنة تحترم الواقع بدل أن تعاقبه.

وفي اليوم التالي لاحظ لغةً كانت تسرق منه الطاقة دون أن ينتبه: «لازم» و«يجب» و«أحتاج». أحسّ أنها لغة تضعه في محكمة دائمة. استبدلها بلغة الاختيار: «أريد» و«أختار». لم تعد المهام سوطاً، بل طريقاً يقرره بوعي. صار يقول: «أختار أن أكون واضحاً بدل أن أرضي الجميع»، و«أريد خطوة صغيرة اليوم بدل أن أطالب نفسي بقفزة مستحيلة».

ومع نهاية يناير، نظر إلى الورقة المعلّقة فوجد أنها تغيّرت في المعنى قبل الشكل: لم تعد قائمة مثالية تخدعه، بل صار لديه نظام خاص يعيشه. تعلم أن البداية الذكية لا تبدأ من كثرة البنود، بل من صدق الدافع؛ معنى قبل الأرقام، وسبب قبل جدول، و«أقل.. لكن أفضل».

والآن دعني أسألك.. لو كان عليك أن تختار قراراً واحداً فقط يجعل هذا العام أقرب لما تريد أن تكونه حقًا، فما هو القرار؟ وما الشيء الذي ستقول له «لا» كي تحمي قرارك من زحمة الأيام، فلا يتحول إلى أمنية مؤجلة؟