قبل أن تكتمل الشمس، للصباح في المحرق طعم لا يشبه غيره. برودة خفيفة تلامس الوجه، وهواء محمّل بملح البحر، وكوب كرك من ملك الكرك يرسل بخاره كأنّه رسالة هادئة تقول: تمهّل. أصل إلى فرضة المحرق، أنزل من السيارة، ألفّ الغترة حول رأسي، وأجلس على كرسي حجري، أراقب البحر وهو يستيقظ بهدوء. مباني المنامة من بعيد تبدو نصف واضحة، يلفّها الضباب، كأنها صورة جميلة لم تُحمَّل بالكامل بعد.

وأنا أرتشف الكرك، لفت نظري شاب يقف وحده عند الساحل. لا ضجيج، لا استعجال. عدّته مرتبة بعناية، حركاته واثقة. توقعت أن يكون في انتظار رفاقه، لكن الدقائق تمر ولا أحد يأتي. بعدها يجهّز قاربه، يضع عدّته، ويدفعه بهدوء إلى البحر. ينطلق وحده، بينما حوله قوارب أخرى مليئة بالناس، بالأصوات، بالتوجيهات، وبالكثير من الكلام.

المشهد بسيط، لكنه ثقيل بالمعنى.

هذا المشهد يشبه كثيراً ما نراه اليوم في عالم التقنية. نحب القوارب الكبيرة، الفرق الضخمة، العناوين الرنانة، والاجتماعات الطويلة التي تبدأ بكلمة “استراتيجية” وتنتهي بلا نتيجة ملموسة. نحب من يتحدث عن الأنظمة، يشرحها، يحللها، ويعدد مخاطرها، لكنه لم يبنِ واحداً بيده، ولم يشغله، ولم يجلس معه ليلة كاملة حين يتعطل فجأة.

في المقابل، هناك من يشبه ذلك الشاب. شخص يفهم الفكرة، يصممها، يبنيها، ويطلقها بنفسه. يعرف أين يمكن أن تنكسر، وأين يجب أن تُدعَّم. لا يحتاج فريقاً ليشرح له ماذا يفعل، ولا تقريراً ليؤكد أنه عمل. أثره يظهر عندما يستمر النظام في العمل بعد سنوات، لا عندما يُعرض في شريحة جميلة.

الذكاء الاصطناعي جاء ليغيّر كل شيء، لكنه لم يغيّر القاعدة الأساسية: من يبني بيده، تتضاعف قوته. اليوم، مهندس واحد يفهم الصورة كاملة، ويستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بوعي، يمكنه أن ينجز ما كانت تحتاجه فرق كاملة في السابق. الذكاء الاصطناعي لا يكافئ من يكتفي بالكلام، بل يكافئ من يعرف ماذا يطلب، ولماذا يطلبه، وكيف يستخدم النتيجة.

ومع ذلك، ما زلنا أحياناً نضع من يعرف السباحة على الشاطئ، ونجعله يصف البحر للآخرين. نحصره في أدوار إدارية، ونطلب منه أن ينسّق بدل أن يبني، وأن يراجع بدل أن يطلق. ثم نستغرب لماذا المشاريع تتأخر، ولماذا التكاليف تتضخم، ولماذا المعرفة لا تبقى.

السؤال الحقيقي بسيط، لكنه مزعج: كم نظاماً حقيقياً بنيته بيدك؟ كم مرة نزلت إلى عمق المشكلة بدل أن تشرحها من بعيد؟ كم مشروع عاش لأنك كنت حاضراً في تفاصيله، لا لأنك كنت حاضراً في اجتماعاته؟

التقنية، مثل البحر، لا تحترم المتردد. تحترم من يخطئ ويتعلم، ومن يصلح ويكمل. أما من يكتفي بالمشاهدة، فسيظل صوته أعلى من أثره.

ومع صعود الشمس، قررت العودة. وإذا بالقارب الصغير يرجع. الشاب ينزل، شبكته مليئة بصيد جيد، وفي وقت قصير. لا استعراض، لا ضجيج، فقط نتيجة واضحة.

وقتها أدركت أن وضع بحّار كهذا في صف طويل، مع من لا يعرف التجديف، ليس تنظيماً ولا حوكمة... بل خطأ استراتيجياً. البحر يعرف الفرق، والتقنية تعرفه أيضاً. وربما لهذا السبب، كلما ضاق صدري بالكلام، عدت إلى البحر، لأن هناك، الصيد وحده هو الذي يتكلم.. وما عداه ليس سوى أصوات الأمواج.

* خبير تقني