يعتبر إطار أو مفهوم «الترابط بين الماء والطاقة والغذاء WEF Nexus» بالغ الأهمية لتحقيق التنمية المستدامة وبالتالي التقليل من التغير المناخي الذي بات مشهوداً ومؤثراً على هذا الكوكب، فقد صار التغير المناخي هو أحد أهم التحديات الشمولية بسبب تأثيره المنصبّ كالشلال على الأنظمة والمجالات الأخرى، فهو ذو تأثير أعم من تأثير ندرة المياه، والتلوث الهوائي، والتصحر لكونه أنه يشملها جميعاً، فإن تغير المناخ سلباً تغيرت كل تلك العناصر حيث يعتبر السبب الرئيس للتغير المناخي الحديث هو بسبب الزيادة السريعة في الغازات التي انطلقت بفعل تقنيات واستخدامات البشر، فقد تسببت تلك الغازات في ارتفاع درجة حرارة الكوكب حوالي 1.1 درجة مئوية مقارنة بما قبل الثورة الصناعية عام 1886، لذلك تم إجراء السياسيات والأنظمة التي تتضمّن طرق التقليل من آثار التغير المناخي وكذلك تلك المعنية بالتكيف مع التغير المناخي لنكون أكثر مقاومة عندما يستفحل ويمخر من أنسجة هذا الكوكب وعظامه. وللأسف، فإن منطقة الخليج العربي تسخن بمعدل أسرع من غيرها لحساسية مناخها الإقليمي وزيادة الرطوبة فيها، خصوصاً وأن مياهها تزداد ملوحة بسبب التحلية بالطاقة التي حبانا الله بها من غاز طبيعي ونفط وشمس.

وفيما يلي سأشرح مفهوم هذا الإطار، وأسلّط الضوء على أسباب ضرورة الإدارة المتكاملة، كما سأناقش مدى ملاءمته للمناطق القاحلة والموارد المحدودة مثل دول مجلس التعاون الخليجي.

إن مفهوم الترابط بين الماء والطاقة والغذاء «WEF Nexus» هو إطار مفاهيمي وعملي يُقرّ بالترابط الوثيق بين أنظمة الماء والطاقة والغذاء؛ فالماء مطلوب لإنتاج الطاقة «كما في عمليات التبريد بمحطات الطاقة وتحلية المياه»، والطاقة ضرورية لتوفير المياه ومعالجتها «كالضخ والتحلية ومعالجة مياه الصرف الصحي»، بينما يُعدُّ كل من الماء والطاقة مدخلات حاسمة لإنتاج الغذاء ومعالجته وتوزيعه. ونظراً لهذه الروابط المتداخلة، فإن القرارات في أي قطار تؤثر حتماً على القطاعات الأخرى.

وتكمن أهمية هذا الإطار في الاستدامة في قدرته على تجاوز العزلة القطاعية، فمناهج الإدارة التقليدية غالباً ما تعامل الماء والطاقة والغذاء بشكل منفصل، مما قد يؤدي إلى عدم الكفاءة والإفراط في استخدام الموارد وعواقب غير مقصودة. على سبيل المثال، قد تؤدي زيادة الاعتماد على تحلية المياه لتحسين الأمن المائي دون النظر في مصادر الطاقة إلى زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة، كما أن تعزيز الإنتاج الغذائي دون ري فعّال قد يفاقم ندرة المياه، بينما يشجع التفكير القائم على مفهوم الترابط على التخطيط المتكامل، مما يساعد صانعي السياسات على تحديد المفاضلات وتعظيم التآزر وتحسين استخدام الموارد.

من منظور الاستدامة، يدعم إطار الترابط بين الماء والطاقة والغذاء الأركان الثلاثة للتنمية المستدامة؛ فمن الناحية البيئية، يخفف الضغط على الموارد الشحيحة من خلال التشجيع على الكفاءة وإعادة الاستخدام والحلول منخفضة الكربون مثل تحلية المياه بالطاقة المتجددة.

أما اقتصادياً، فإن الإدارة المتكاملة تُقلّص التكاليف طويلة الأجل وتعزز مرونة النظم والإنتاجية. وفي الجانب الاجتماعي، يساهم هذا الإطار في تحقيق الأمن الغذائي والمائي وتحسين الصحة العامة وضمان الوصول العادل للخدمات الأساسية.

تظهر أهمية إطار الترابط بوضوح في المناطق القاحلة وذات الموارد المحدودة مثل دول مجلس التعاون الخليجي، التي تواجه ندرة مائية حادة وطلباً مرتفعاً على الطاقة واعتماداً كبيراً على استيراد الغذاء؛ فتحلية المياه تربط الأمن المائي مباشرة بأنظمة الطاقة، بينما يُفاقم تغير المناخ الضغوط على القطاعات الثلاثة جميعاً، لذلك فإن تطبيق هذا الإطار في سياق دول مجلس التعاون الخليجي يدعم استراتيجيات عدة مثل دمج الطاقة المتجددة وتقنيات الري الفعّالة (مثل الزراعة المائية) وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي وتنويع سلاسل إمداد الغذاء، مما يعزز القدرة على مواجهة الصدمات المناخية والاقتصادية.

ختاماً، يُعدُّ إطار الترابط بين الماء والطاقة والغذاء أداة حاسمة لتحقيق الاستدامة لأنه يتيح إدارة موارد شاملة وفعّالة ومرنة من خلال معالجة التداخلات بين القطاعات بدلاً من التعامل معها بمعزل عن بعضها. إن نهج الترابط هذا يدعم حماية البيئة على المدى الطويل، والاستقرار الاقتصادي، والرفاه الاجتماعي، مما يجعله أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة على المستويين العالمي والإقليمي.

*أستاذ الفيزياء التطبيقية بجامعة الخليج العربي