في سنوات الكساد العظيم عام 1930، واجه هنري فورد أزمة اقتصادية خانقة هددت إمبراطوريته الصناعية. كان الحل البديهي الذي اقترحه مديره المالي بسيطاً ومباشراً: طرد العمال وتقليص التكاليف لوقف نزيف الخسائر. هذا هو المنطق المحاسبي الصارم الذي لا يرى إلا الأرقام الحمراء في الميزانيات ولا يبحث عن حلول خارج الصندوق.

لكن فورد رفض هذا النهج القصير النظر. بدلاً من الاستسلام لمنطق الأرقام، ابتكر حلاً ثورياً: خط التجميع المتحرك. لم يطرد عماله، بل أعاد تنظيم الإنتاج بالكامل، رفع الكفاءة، خفض التكاليف، وجعل السيارة في متناول الملايين. النتيجة؟ عاد المصنع للربحية، احتفظ العمال بوظائفهم، بل وزادت أجورهم.

اليوم، وبعد قرن تقريباً من تلك الأزمة، يواجه صندوق النقد الدولي الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية بنفس عقلية ذلك المحاسب الذي أراد طرد العمال. الحلول ذاتها: التقشف، خفض الإنفاق، رفع الضرائب، تقليص القطاع العام. وصفة واحدة لكل الأمراض، كأن الاقتصادات كلها نسخة واحدة من كتاب محاسبة قديم.

- عقلية المحاسب: الحل الأسهل وليس الأذكى:

المحاسبون ومدراء المال، بحكم تدريبهم وطبيعة عملهم، يميلون إلى الحلول الواضحة والمباشرة. عندما ترتفع الخسائر، يخفضون التكاليف. عندما يزيد العجز، يقلصون الإنفاق. هذا المنطق ليس خاطئاً في حد ذاته، لكنه محدود ويفتقر إلى البعد الاستراتيجي والإبداعي.

المشكلة ليست في المحاسبة كعلم، بل في الاعتماد الكلي على العقلية المحاسبية في صنع القرارات الاستراتيجية الكبرى.

المحاسب يرى الميزانية، لكنه لا يرى بالضرورة الفرص الكامنة. يحسب التكاليف، لكنه قد لا يتخيل كيف يمكن لاستثمار جريء اليوم أن يحول الخسائر إلى أرباح غداً.

هذا بالضبط ما يفعله صندوق النقد الدولي. يأتي بحقيبته المليئة بالحلول الجاهزة: قلص الإنفاق الحكومي، ارفع الضرائب، خصخص المؤسسات العامة، حرر الأسعار، اخفض قيمة العملة. كلها إجراءات تركز على «ضبط الحسابات» دون النظر إلى كيفية تحفيز النمو الحقيقي وبناء قاعدة إنتاجية مستدامة.

- الدرس المفقود: الابتكار أقوى من التقشف:

ما فعله هنري فورد لم يكن مجرد إدارة أزمة، بل كان إعادة تعريف لقواعد اللعبة. لم يسأل «كيف نقلص الخسائر؟»، بل سأل «كيف نغير طريقة العمل بالكامل؟».

هذا هو الفرق الجوهري بين العقلية المحاسبية والعقلية الابتكارية. الأولى تدير الموارد الموجودة، والثانية تخلق موارد جديدة. الأولى تحاول البقاء، والثانية تسعى للنمو.

صندوق النقد الدولي، على مدى عقود، لم يتعلم هذا الدرس. حزم الإصلاح التي يفرضها على الدول المأزومة تفترض أن المشكلة دائماً في «الإسراف» أو «سوء الإدارة»، وأن الحل يكمن في «الانضباط المالي». لكن ماذا لو كانت المشكلة الحقيقية في غياب الرؤية الاقتصادية المبتكرة؟

ماذا لو كان الاقتصاد لا يحتاج إلى تقشف بل إلى إعادة هيكلة جذرية؟

- الوصفة الواحدة لكل الأمراض:

من أخطر سمات نهج صندوق النقد الدولي هو تطبيق نفس الوصفة على اقتصادات مختلفة تماماً. سواء كنت في آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية، ستحصل على نفس الحزمة تقريباً. كأن الاقتصادات كلها متشابهة، وكأن السياق المحلي والثقافي والتاريخي لا يهم.

هذا أشبه بطبيب يصف نفس الدواء لكل المرضى دون تشخيص دقيق. قد ينجح الدواء مع البعض، لكنه قد يؤدي إلى كوارث مع آخرين.

الدول التي خضعت لبرامج صندوق النقد شهدت في كثير من الأحيان:

* تراجعاً في النمو الاقتصادي.

* ارتفاعاً في معدلات البطالة.

* تدهوراً في مستوى المعيشة.

* اتساعاً في الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

* اضطرابات اجتماعية وسياسية.

الأمثلة كثيرة: الأرجنتين، اليونان، باكستان، وغيرها. في كل مرة، يأتي الصندوق بوعود الإصلاح والاستقرار، وفي كثير من الأحيان، تخرج الدول من البرنامج أضعف مما كانت عليه.

- ماذا ينقص صندوق النقد الدولي؟

الجواب بسيط: ينقصه «هنري فورد». ينقصه من يفكر خارج جداول الميزانية ويبحث عن الحلول المبتكرة. ينقصه من يسأل: كيف يمكن لهذا الاقتصاد أن ينمو بدلاً من أن يتقشف فقط؟

صندوق النقد الدولي يحتاج إلى فريق متنوع لا يضم محاسبين فقط، بل اقتصاديين تنمويين، مبتكرين في السياسات العامة، خبراء في القطاعات الإنتاجية، ومن لديهم فهم عميق للسياقات المحلية.

- يحتاج الصندوق إلى:

* رؤية استراتيجية تتجاوز توازن الميزانية قصير الأجل.

* حلول مخصصة لكل دولة بناءً على ظروفها الخاصة.

* التركيز على النمو وليس فقط على خفض العجز.

* الاستثمار في القطاعات الإنتاجية بدلاً من التقشف الأعمى.

* حماية الفئات الضعيفة من تبعات الإصلاح الاقتصادي.

وختاماً: منذ قرن من الزمان، أثبت هنري فورد أن الأزمات الاقتصادية لا تُحل بالحلول السهلة والمباشرة. الابتكار، الجرأة، والتفكير الاستراتيجي هي ما تصنع الفارق.

صندوق النقد الدولي، بوصفه المؤسسة الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، يتحمل مسؤولية كبيرة. لا يكفي أن يكون محاسباً يوازن الأرقام، بل يجب أن يكون شريكاً حقيقياً في بناء اقتصادات مستدامة ومزدهرة.

الدرس واضح من قصة فورد: العقلية المحاسبية وحدها لا تكفي. نحتاج إلى مزيج من الانضباط المالي والرؤية الابتكارية. نحتاج إلى من يحسب التكاليف، ولكن أيضاً إلى من يتخيل المستقبل.

صندوق النقد الدولي لم يتعلم الدرس بعد. والثمن تدفعه شعوب بأكملها.