أصبحت الثقة اليوم أغلى سلعة في العالم الرقمي. فقد كانت الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية تُعدّ لفترة طويلة دليلاً قاطعاً لا يقبل الشك، إلا أن الذكاء الاصطناعي بات قادراً الآن على إنتاج محتوى مزيف عالي الإقناع، ما أدى إلى تآكل هذا الأساس.

وتحولت القناعة القديمة بأن “الرؤية تعني التصديق” إلى واقع جديد يُحتِّم التحقق من كل شيء.

يتجلى التزييف العميق «Deepfake» في صور متعددة، تشمل مقاطع فيديو مُزيَّفة يتم فيها استبدال الوجوه، وأدوات صوتية قادرة على استنساخ الأصوات، ووسائط تركيبية تُظهر مشاهد مختلقة بالكامل.

وتتسارع وتيرة هذا التهديد بشكل مقلق، إذ تجاوز عدد الحوادث الموثقة حاجز 2000 حالة في الربع الثالث من عام 2025، أي أربعة أضعاف ما سُجِّل في الربع السابق.

ويبدأ التصدي لهذا الخطر بالحدس البشري باعتباره خط الدفاع الأول، حيث يمكن للمراقبين ملاحظة مؤشرات تحذيرية مثل الوميض غير الطبيعي للعين أو عدم تطابق حركة الشفاه مع الصوت.

غير أن هذا المستوى من اليقظة لا يمكنه مجاراة حجم وسرعة انتشار التزييف العميق، مما يستدعي حلولًا تقنية تعمل بسرعة الآلة.

يوفر الكشف المدعوم بالذكاء الاصطناعي هذه القابلية للتوسع من خلال شبكات عصبية متخصصة في التعرف على الوسائط الاصطناعية. فالشبكات العصبية الالتفافية (CNN) مثل XceptionNet تركز على التحليل المكاني، حيث تفحص الإطارات البصرية بحثاً عن تناقضات دقيقة على مستوى البكسل لا يمكن للعين البشرية إدراكها، وتكشف عن شوائب في الإضاءة والملمس والهندسة الوجهية.

وبينما تحلل شبكات CNN اللحظات الفردية، تمتد النماذج الزمنية في الكشف عبر الزمن من خلال دمج شبكات CNN مع شبكات الذاكرة طويلة وقصيرة المدى (LSTM)، لتتبع الحركة خلال تسلسل الفيديو ورصد أنماط غير طبيعية مثل الوميض غير المنتظم أو الحركات المخالفة لقوانين الفيزياء.

أما المحوّلات متعددة الوسائط (Multi-modal Transformers) فتجمع بين هذه الأساليب، مضيفةً طبقة تحقق عابرة للوسائط، حيث تُحلل الفيديو والصوت في آن واحد للتأكد من تزامن حركة الشفاه مع الكلام وتوافق تعبيرات الوجه مع نبرة الصوت.

ويعكس ذلك سباقاً تقنياً مستمراً، إذ يقابل كل تطور في تقنيات التزييف العميق تقدمٌ مماثل في أدوات الكشف.

وبينما يركز الكشف على تحديد المحتوى المزيف بعد إنتاجه، تعمل تقنيات الوقاية على إنشاء منظومة متكاملة للتحقق من أصالة المحتوى طوال دورة حياته. تبدأ الوقاية منذ لحظة الالتقاط، حيث تُضمَّن بصمات تشفيرية في المحتوى من خلال قيام الكاميرات وأجهزة التسجيل بتوقيع الملفات باستخدام دوال تجزئة آمنة تكشف أي تعديل لاحق.

ولا تقتصر الحماية على الأختام التشفيرية فحسب، بل تمتد عبر تقنيات العلامات المائية التي تدمج مؤشرات مرئية وغير مرئية مباشرة داخل المحتوى، بما يضمن إمكانية تتبع أصالته حتى عند ضغط الملفات أو تعديلها أو مشاركتها عبر المنصات المختلفة.

وقد وحّدت المعايير الصناعية هذه الأساليب المتكاملة ضمن بروتوكولات تتابع سلامة المحتوى منذ إنشائه وخلال انتشاره على الإنترنت.

وتكتسب هذه الضمانات التقنية قوة تنفيذية إضافية من خلال الأطر التنظيمية، مثل قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي، الذي يفرض مساءلة المنصات ويقرّ عقوبات على نشر الوسائط الخادعة على نطاق واسع.

إن التصدي للتزييف العميق ليس مهمة بسيطة ولا حلاً مكتملاً. فهو يتطلب يقظة بشرية مدعومة بخوارزميات الكشف، ومحمية بآليات التحقق التشفيري، ومعززة بأطر تنظيمية وتشريعية.

ومع استمرار السباق التقني وتطور أدوات المواجهة بالتوازي مع تقنيات الإنشاء، تظل القدرة على التوقف، وطرح الأسئلة، والتحقق، هي خط الدفاع الأكثر أهمية في عصر أصبحت فيه الثقة مرهونة بالتحقق.