في كل نهاية عام وبداية عام جديد تتكرر البرامج والمشاهد نفسها بلا ملل. شاشات مزدحمة وتوقعات صاخبة وعناوين مثيرة وجملة واحدة تتصدر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام أيضاً، وهي قالت ليلى.
قالت إن السنة ستكون ثقيلة، وقالت إن الخوف قادم، وإن الأحداث غير مسبوقة، وإن الكوارث على الأبواب. ثم يمضي العام بهدوئه النسبي بما يحمله من تقلبات طبيعية عرفها البشر منذ قرون وبما تشهده السياسة من تغيرات تصنعها القرارات والمصالح لا النبوءات.
عام 2025 كان مثالاً واضحاً على هذه الحالة. توقعات مرعبة رسمت صورة قاتمة للعالم، لكن مع نهاية العام اكتشف الناس أن معظم ما قيل لم يتحقق أو تحقق بشكل عام جداً يمكن إسقاطه على أي زمن. ومع ذلك لم تتغير العادة. سخرية في نهاية السنة ثم عودة إلى الانتظار مع أول أيام السنة الجديدة.
المفارقة الحقيقية ليست في فشل التوقعات، بل في الإصرار على تصديقها أو متابعتها بشغف. الناس يسخرون منها علناً، لكنهم يحتفظون بها في دواخلهم كاحتمال خفي وكأن الإنسان يبحث عن شماعة يعلق عليها خوفه من المجهول، أو يبرر بها قلقه مما هو قادم.
هذا السلوك لا يتعارض فقط مع المنطق، بل يتصادم مع جوهر العقيدة الإسلامية التي جاءت لتحرر العقل من الخرافة، وتربط الإنسان بربه مباشرة. القرآن الكريم حسم المسألة بوضوح فَعلم الغيب ليس للبشر ولا مجال فيه للاجتهاد الإعلامي أو التنبؤ الموسمي. والنبي صلى الله عليه وسلم شدد في التحذير من الكهانة والعرافة؛ لأنها تقوم على ادعاء ما لا يملك الإنسان ادعاءه.
الأمر أعمق من مجرد مخالفة دينية. نحن أمام حالة نفسية جماعية قوامها الخوف من الغد وحب الإثارة والرغبة في معرفة النتيجة من دون خوض التجربة. الإنسان يريد من يخبره بما سيحدث حتى يعفي نفسه من مسؤولية القرار. فإن حدث خير قال إن التوقعات صدقت وإن لم يحدث قال إنها مجرد مصادفة.
الله حين خلق الإنسان ميّزه بالاختيار. لم يخلقه كائناً ينتظر الإشارات ولا أسير تنبؤات، بل جعله مسؤولاً عن طريقه. المستقبل مجهول نعم، لكنه ليس فراغاً، بل مساحة عمل تُبنى بالسعي وبالأخذ بالأسباب وبالتوكل الحقيقي لا بالترقب والانتظار.
أن يعيش الإنسان مترقباً لحظة قيل له إنها قادمة، ثم يكتشف أنها لم تكن سوى وهم أو حدث عابر تكرر عبر السنين، فهذا أخطر من الخوف ذاته. هنا يفقد الإنسان دوره، ويتحول من صانع لحياته إلى متفرج عليها، ثم يختصر المشهد كله بجملة واحدة قالت ليلى.
الغد لا تصنعه الأبراج، ولا تصوغه العرافة، بل تصنعه الإرادة والعمل والقرار. ومن أراد مستقبلاً أفضل، فليبدأ اليوم بتصحيح مساره وبالثقة بأن الغيب بيد الله وحده، وأن الإنسان مسؤول عن اختياره وسعيه.أما ليلى ومن على شاكلتها، فسيبقون يقولون ويرددون ما دام هناك من يفضل انتظار الوهم على مواجهة الحقيقة.