- في مسار الحياة، لا تسير الخطوات دائماً وفق التوقيت الذي نخطط له، ولا تصل القرارات في اللحظة التي نتمناها. فالحياة بطبيعتها، تُعلّمنا أن التأخير ليس دائماً خسارة، وأن التقدّم المتأخر قد يحمل في طياته نجاة، ونضجاً، وبداية جديدة.
- إن التجارب التي نمر بها على اختلاف محطاتها، تصقل وعينا وتدفعنا نحو التطور، حتى وإن جاءت بعد تردّد أو تعثّر. وفي كثير من الأحيان لا نحتاج سوى دفعة تشجيع أو لحظة صدق مع الذات لنكسر الجمود ونمضي قدماً، ومن هنا تولد الحكمة الخالدة: أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي، لا باعتبارها تبريراً للتأخير، بل إيماناً بقيمة المحاولة والمسؤولية.
- كم من إنسانٍ ظن أن الوقت قد فاته، ثم قرر أن يبدأ من حيث يقف، فكانت خطوته المتأخرة مفتاحاً لتغيير مساره، ربما لو بدأ أبكر لبلغ مراتب أعلى، لكن شجاعته في اتخاذ القرار مهما تأخر، أنقذته من البقاء في دائرة الندم، فالبدايات المتأخرة حين تصاحبها العزيمة، تظل أكثر إشراقاً من انتظارٍ بلا نهاية.
- وفي المشهد الأوسع، حيث تتقاطع الجهود وتتباين الطرق، لا تظهر النتائج دائماً من الخطوة الأولى، بعض المسارات تكشف نهايتها مبكراً، وأخرى لا تُفصح عن ملامحها إلا عند الوصول، ومع ذلك يبقى السعي شرفاً، والاجتهاد دليل حياة، فالفشل الذي يأتي بعد محاولة أكرم من نجاح لم يُطلب، والنتيجة أيّاً كانت أصدق من الركون إلى العجز.
- لكن الحكمة ليست واحدة في كل الأحوال، فهناك قضايا لا تحتمل التريث، ومواقف يصبح فيها التأخير عبئاً لا يُغتفر، خاصة حين يتعلق الأمر بمصير جماعي أو خطر يهدّد الاستقرار، ففي مثل هذه اللحظات لا يكون التأخر ربحاً، بل قد يتحول إلى خسارة لا يعوضها الندم ولا تصلحها الحلول المتأخرة.
- ولهذا، فإن الحكمة الحقيقية لا تكمن في ترديد الأمثال، بل في فهم مواضعها. أن نُحسن قراءة التوقيت، وأن نزن القرار بميزان العقل والمسؤولية، أحياناً يكون الإقدام هو النجاة، وأحياناً يكون التريّث عين الصواب.
- وفي ختام الأمر، تبقى عبارة أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي ضوءاً يهدي من تاه عن البداية، لا سبباً للتأجيل، ولا مبرراً للكسل، فهي دعوة للمحاولة، ورسالة أمل تقول: ما دام في القلب نبض وفي العقل وعي، فالبداية ممكنة ولو جاءت متأخرة.