أصدر جلالة الملك المعظم أمراً ملكياً سامياً بأن يكون العام 2026 عام «عيسى الكبير»، وهذا القرار التاريخي يمثل التفاتة واعية إلى الجذور، واستدعاءً للبوصلة التي وجهت مسيرة الدولة البحرينية الحديثة، ففي خضم التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وحين تتشابك دروب المستقبل، يأتي هذا الاختيار ليشكل دعوة وطنية لقراءة متأنية في سفر الدولة، واستلهام للدروس من لحظة التأسيس.

إن اختيار صاحب العظمة عيسى الكبير، حاكم البحرين وتوابعها، طيب الله ثراه، الذي امتد حكمه لأكثر من ستة عقود (1869–1932)، عنواناً وشعاراً لهذا العام، يمثل احتفاءً بلحظة التكوين الأولى لفكرة الدولة في البحرين، حين بدأت ملامح الإدارة، وتنظيم الحكم، وتبلور المشورة، تتشكل في بنيتها التأسيسية المبكرة.

لقد كان عيسى الكبير مهندساً اجتماعياً وسياسياً من طراز فريد، استطاع بحكمته وصبره أن يحول أرخبيلاً من الجزر إلى كيان سياسي متماسك، وأن يضع القواعد الأولى لنظام حكم يتجاوز الأعراف القبلية نحو أفق الدولة المنظمة.

ففي عهده، تحولت البحرين إلى ورشة عمل حقيقية لبناء المؤسسات، وتشهد وثائق أرشيفية، وثقت تلك الحقبة بدقة، على نظام مالي بدأ يتشكل، وإيرادات تُحصَّل وتُدوَّن، ومسؤوليات تُوزَّع وتُراقَب، فلقد أدرك الشيخ عيسى بفطرته السياسية أن قوة الدولة تكمن في قدرتها على تنظيم مواردها، وتحقيق العدالة بين رعاياها، وصيانة السلم الأهلي، فكان مجلسه، الذي يجمع وجهاء السنة والشيعة على حد سواء، بمثابة برلمان عرفي مصغر، يلجأ إليه الناس لحل نزاعاتهم، ويجدون فيه صوت الحكمة والاتزان، فلقد كان «ملجأ الرأي» للجميع، وصمام الأمان الذي حفظ للمجتمع وحدته في وجه أعقد الأزمات.

ويبرز في إرث عيسى الكبير موقف ثابت يتقدّم كل ما تركه من تنظيم وإدارة؛ موقف الحاكم الذي لم يعرف التردد أمام الضغوط، وظل ثابتاً في حماية سيادة بلاده وصون كرامة أهلها، ففي مرحلة كانت القوى الكبرى تتحكم بمصائر المنطقة، وتفرض حضورها على الموانئ والطرقات والتجارة، ظهر الشيخ عيسى بوصفه صاحب قرار مستقل، يواجه كل ما يمس البحرين بثبات، ويضع إرادة شعبه فوق الاعتبارات كافة، وقد دوّنت الوثائق تلك الصلابة في مواقف متعددة، تؤكد أن الحاكم ظلّ يقود بلاده بروح من لا يسمح بأن يُفرض عليها ما يقيّدها، ويجعل من كرامتها مبدأً لا يخضع للمساومة.

وهذه المواقف تختزل معنى السيادة، وتقدم درسًا بليغًا في الوطنية، فلقد كان الشيخ عيسى يدرك أن التفريط في سيادة القرار هو بداية النهاية، وأن أي إصلاح يُفرض من الخارج، مهما حمل من عناوين برّاقة، يخفي وراءه رغبة في الهيمنة، ولقد علّمنا أن الإصلاح الحقيقي هو الذي ينبع من الداخل، ويتوافق مع «اجتماع الرأي» المحلي، ويحترم هوية المجتمع وتقاليده.

واليوم، إذ تستعد البحرين للاحتفاء بعام «عيسى الكبير»، فإنها تستلهم روح مرحلة بأكملها، في عالم يموج بالاستقطاب والاضطرابات، يصبح التمسك بنموذج عيسى الكبير ضرورة وطنية، إنه النموذج الذي يضع الوحدة الوطنية فوق كل اعتبار، ويجعل من العدل أساس الحكم، ويرى في الحوار سبيلاً لحل الخلافات، ويصون كرامة الوطن وسيادته كأثمن ما يملك، فهي دعوة للأجيال الجديدة لتعرف كيف بُني هذا الوطن، وعلى أي أساس من الحكمة والصبر والتضحية قام صرحه، ليدركوا أن الحفاظ عليه اليوم هو مسؤولية تاريخية، تماماً كما كان بناؤه بالأمس مهمة تاريخية أنجزها عيسى الكبير ورجاله بعظمة واقتدار.