عندما كنت أنتظر ابني أمام بوابة المدرسة الإعدادية، لفت انتباهي حديثاً لاثنين من الطلاب كانا يجلسان على الكرسي المقابل، قال الأول لم يعجبني طعم العصير الذي أحضره أحمد اليوم. فرد عليه الثاني متسائلاً: ولم؟ أجاب الأول: لأنه رخيص، فما كان من الطالب الثاني إلا أن تدارك كلام صديقه بسرعة، وقال له مصححاً: لا تقل عنه رخيصاً بل قُل سعره «زين».
أنا تلك التي كنت أجلس منكبة على هاتفي، رفعت رأسي لأرى هذا الطالب الفيلسوف التي استبدل كلمة رخيص بكلمة زين، كان طالباً مراهقاً نحيفاً في ملابس أكبر من حجمه وحقيبة مدرسية بسيطة جداً، تساءلت من علم هذا الطالب أن يتحدث بهذا الأسلوب؟ منظر الطالب ينم عن كونه من أسرة بسيطة، ولكن وإن كانت بسيطة مادياً إلا أنها علمته درساً أبدياً سيرافقه مدى الحياة.
كم منا يعاني يومياً من موقف سيئ أو وضع مزعج أو سلبي؟ فنقوم مباشرة بالعودة للمنزل والتحدث عنه أمام أبنائنا، ونسمي الأحداث والمواقف بمسميات سيئة، ونبالغ في وصفها بقباحة، ونحن لا ندرك كم تأثيرها السلبي على أبنائنا الذين يكبرون، وتلك المفاهيم السلبية مغروسة وعالقة في أذهانهم، يكبرون ويواجهون العالم وكم هائل من المعتقدات والأفكار تم نحتها بناءً على ما قاله الأب والأم.
تماماً كما حدث مع الطالب الذي استبدل كلمة رخيص بـ«زين» هذا الشاب الصغير نشأ في بيئة قد لا تكون تملك المال الوفير، ولكنها بالتأكيد فهمت أن غرس مفهوم الرخص والفقر في نفس طفل صغير لن يعود عليه بالنفع، وإن استبدال كلمات مثل رخيص بـ«مناسب» وفقير بـ«مستوى بسيط» لن يغير من واقع الأمر، ولكنه بالتأكيد لن يجعل الطفل يشعر بسوء تلك الكلمات، لا أطلب أن ندعي الصحة ونحن مرضى أو نضحك وقلوبنا تعتصر ألماً إنما أقول أن نترفق بنفس طفل مازال صغيراً جداً ليحمل عبء تلك الكلمات القاسية.
في عام 2010 نشر عالم يدعى جون كيلي ورقة علمية بعنوان «كيف يؤثر تغيير المسميات في وصف الأشخاص من حكم الناس عليهم؟ وضرب مثالاً في الورقة العلمية على المتعاطي، فعندما تم استبدال كلمة متعاط إلى كلمة شخص يعاني من اضطراب التعاطي، تغير حكم الناس عليه من المطالبة بسجنه إلى المطالبة بعلاجه، وفي نهاية ورقته قال كيلي إن استبدال الكلمات يؤثر بشكل مباشر في مشاعر وسلوك وحكم الناس.
كلمة واحدة فقط غيرت حكماً، فما بالك بما نبثه يومياً من كلمات وما نردده على مسامع أبنائنا بشكل مستمر، نحن بهذا لا نوضح لهم الواقع، بل نحن نرسم لهم آخراً سلبياً سيشكل شخصية مثقلة ساخطة ومتشائمة، لا بأس أن يفهم الطفل أن الحياة ليست دائماً بخير، وأننا سنعاني بين الفينة والأخرى من مواقف سلبية، ولكن بالتأكيد سيكون من الجيد دائماً أن يعرف أن الناس لا ترى كل الأمور من منظور واحد، فما يراه غيري سعره رخيص أراه أنا سعره «زين».