بين أرقام تبدو للوهلة الأولى جامدة، تكمن قصة حية عن تحول اقتصادي طموح، فما الذي تخبرنا به أرقام الربع الثالث من 2025 عن مسار مملكة البحرين؟
هذه الأرقام تمثل بصمة تاريخية، فأن تساهم الأنشطة غير النفطية بـ85% من الناتج المحلي الإجمالي، فهذا يشير إلى اقتصاد ناضج يتجاوز بكثير الاعتماد التقليدي على النفط، وهو ثمرة عقود من التخطيط الاستراتيجي، حيث كانت البحرين سباقة في تبني رؤية التنويع الاقتصادي قبل أن تصبح شعاراً إقليمياً.
النمو الاقتصادي بنسبة 4% بالأسعار الثابتة هو دليل على حيوية اقتصادية شاملة، والأكثر أهمية هو أن هذا النمو جاء مدعوماً بنمو متوازن 3.1% في القطاعات غير النفطية و9.3% في القطاع النفطي، هذا التوازن النادر يشير إلى اقتصاد قادر على الاستفادة من موارده التقليدية مع تطوير بدائل مستقبلية.
خلف الأرقام الكلية، توجد قصص نجاح قطاعية تستحق الوقوف عندها، العقارات بنمو 5.4%، ليست مجرد أبنية ترتفع، بل هي مؤشر على ثقة في المستقبل واستقرار مجتمعي، والقطاع المالي والتأمين بنمو 5%، تأكيد على مكانة البحرين كمركز مالي إقليمي راسخ، والنقل والتخزين والتشييد بنمو 4.4%، بنية تحتية تنمو لتواكب طموحات التنمية، والصناعة التحويلية بنمو 3.9% هي اقتصاد منتج يضيف قيمة حقيقية.
ارتفاع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 17.5 مليار دينار بحريني (بنمو 5.8%) هو تصويت بالثقة من مجتمع الأعمال العالمي على قدرات وإمكانات وبيئة البحرين الجاذبة وكوجهة آمنة في عالم تتنافس فيه الدول لجذب الاستثمارات.
التصنيفات الدولية التي حققتها البحرين ليست شهادات للتعليق على الجدران، بل هي مؤشرات موضوعية على جودة البيئة الاقتصادية والاجتماعية حيث حققت المركز الثالث عالمياً في تسوية المنازعات (البنك الدولي) والتصنيف الأول في مكافحة الاتجار بالبشر للعام الثامن (وزارة الخارجية الأمريكية) والمركز الأول خليجياً والثاني عربياً في الحرية الاقتصادية (معهد فريزر).
هذه الإنجازات معاً تصنع صورة دولة مؤسسات تحترم القانون، وتحمي الحقوق وتشجع المبادرات.
وراء هذه الصورة المشرقة، تبقى تحديات حقيقية، كيف تحافظ البحرين على زخم نموها في بيئة إقليمية ودولية متقلبة؟ وكيف تضمن استدامة هذا النمو؟ وكيف تواصل تطوير كفاءات أبنائها لقيادة هذا التحول الاقتصادي؟ بما يعزز من ريادتها في مواصلة صناعة قصص نجاح وطنية ومستدامة.
الأرقام الاقتصادية للربع الثالث من 2025 هي فصول من قصة تحول اقتصادي طويل الأمد، قصة تعلمنا أن الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج ممكن عندما يقترن التخطيط الاستراتيجي بالإرادة السياسية والثقة الدولية.
البحرين اليوم لا تبيع النفط فقط، بل تبيع الثقة والاستقرار والفرص، وهذا قد يكون أثمن من أي مادة خام.