يرجع أصل كشف التباين (Anomaly Detection) إلى علم الإحصاء، لاسيما في التطبيقات الصناعية في قطاع التصنيع خلال أوائل القرن العشرين.

وقد استخدم محللو الشيفرات أساليب كشف تباين يدوية لكسر الرموز من خلال مراقبة الأنماط غير المعتادة أو الانحرافات عن التوزيع الإحصائي المتوقع للحروف أو الرموز.

ومع تزايد وفرة البيانات، أصبح كشف التباين المعتمد على الحاسوب هو الأسلوب السائد في مجالات مثل كشف الاحتيال، وإدارة المخزون، وضبط الجودة.

أحدث الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في كشف التباين، إذ حوّل العملية من مجموعة قواعد إحصائية ثابتة إلى نموذج مرن يتم تدريبه لتكوين خط أساس يمثل الحالة «الطبيعية». ومن خلال التعلم من البيانات، يقدم النموذج تعريفاً أكثر دقة وعمقاً لما هو متوقع - وكلما زادت البيانات التي يعالجها، ازدادت قدرته على التمييز بدقة أعلى.

وتبرز قوة هذا النهج في التطبيقات المعقدة مثل مراقبة أجهزة إنترنت الأشياء والأنظمة التي تولّد كميات ضخمة من البيانات حيث لا تكون العلاقات بين النقاط واضحة دائماً.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي التوليدي مثالاً واضحاً على أهمية كشف التباين بالذكاء الاصطناعي. فمعظم مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبحت ممكنة بفضل التقدّم في جمع البيانات وتخزينها ومعالجتها.

وبينما يمكن تطبيق أساليب تقليدية قائمة على القواعد، فإنها غالباً تفتقر إلى الدقة والمرونة المطلوبة للتعامل مع هذا الحجم الهائل من البيانات.

لذلك يصبح كشف التباين بالذكاء الاصطناعي ضرورياً في مراحل تحويل البيانات وتطبيعها، واكتشاف القيم المتطرفة، ورصد التحيزات، بل والمساهمة في توليد بيانات اصطناعية لتدريب الخوارزميات.

كيف يعمل كشف التباين بالذكاء الاصطناعي؟

تشبه عملية كشف التباين بالذكاء الاصطناعي دورة تطوير أي نموذج ذكاء اصطناعي من حيث جمع البيانات والتدريب والتحسين المستمر، مع اختلاف رئيسي يتمثل في التركيز على القيم الخارجة عن النمط الطبيعي. وتشمل الخطوات الأساسية ما يلي:

1. جمع البيانات ومعالجتها الأولية:

تبدأ العملية بتحديد أهداف المشروع: ما الحالة الطبيعية للبيانات؟ وما نطاق البيانات المشمولة؟ ثم يتم تحديد مصادر البيانات وبناء مستودع لتصنيف السجلات إلى طبيعية أو متباينة، مع إمكانية أتمتة عمليات التحويل بين المصدر ومستودع التدريب.

2. اختيار الخوارزمية المناسبة:

يتم اختيار السمات والخصائص وفقاً للقيود والأهداف. وتُعد الخوارزميات الإحصائية، والتجميع (K-means)، والشبكات العصبية من أنسب الأساليب. وتعتمد النماذج المتقدمة على تصنيفات متعددة الطبقات تمنح أوزاناً لكل عامل لتحديد مستوى التباين واحتمالية الاحتيال.

3. تدريب النموذج وتقييمه:

يتم تحديد بنية النموذج، وتجهيز بيانات التدريب، وتشغيلها عبر النموذج، ثم اختباره باستخدام مجموعة بيانات مستقلة لقياس كفاءته. وقد يستمر النموذج في التعلم من البيانات الحية لتحسين الأداء بمرور الوقت.

4. الكشف الفوري مقابل المعالجة الدفعية:

يمكن أن يتم الكشف في الزمن الحقيقي أو على دفعات. يوفّر الكشف الفوري سرعة عالية لكنه قد يفتقر إلى العمق التحليلي مقارنة بالمعالجة الدفعية.

- فوائد كشف التباين بالذكاء الاصطناعي:

يمثل هذا النهج تطوراً كبيراً مقارنة بالأنظمة التقليدية، ومن أبرز مزاياه:

- دقة أعلى: القدرة على اكتشاف أنماط خفية لا يمكن رصدها بالقواعد البشرية.

- قابلية التوسع: التعامل مع مليارات السجلات المعقدة باستخدام تمثيل متجهي وبحث تشابهي.

- مراقبة فورية: تنفيذ عمليات الكشف بسرعة عالية حتى في البيئات كثيفة البيانات.

- التكيّف مع التغيرات: اكتشاف تحولات جديدة في البيانات سواء كانت إيجابية أو غير متوقعة.

- خفض الإنذارات الكاذبة: بفضل الفهم العميق للعلاقات بين البيانات بدل الاعتماد على قواعد جامدة.

باختصار، يمنح كشف التباين بالذكاء الاصطناعي المؤسسات قدرة استباقية وذكية لفهم البيانات، وحماية الأنظمة، وتحسين جودة القرارات التشغيلية والاستراتيجية.