د. توفيق السباعي

لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرة تُناقَش في الندوات أو ميزة تُضاف إلى الأنظمة القائمة؛ بل بات فاعلاً يطلب صلاحيات ويقترح قرارات، وقد يُنفّذها إن لم تُحكم قواعد التفويض والرقابة. لفتت منصة Do Better التابعة لـ ESADE الإسبانية الانتباه إلى 12 اتجاهاً يُتوقع أن تُشكّل أجندة هذا العام: الذكاء الاصطناعي الذي لا يمكن إيقافه، الوكلاء الأذكياء الذين يتولّون المهام، التنقل الذاتي الذي يعيد تشكيل المدن، اللوجستيات التي تدخل مرحلة جديدة، قدوم الروبوتات البشرية، الترجمة الفورية التي تُضعف الحاجة لتعلّم اللغات، تحولات تنظيمية جذرية، ذكاء اصطناعي يغزو الفضاء، اتصالات بلا حدود، باحثون ومهندسون غير بشريين، وريث الهاتف الذكي، وأخيراً انطلاقة Hyperloop في الصين.

القراءة الأهم ليست في العناوين نفسها، بل في رسالتها الضمنية: الانتقال من ذكاء اصطناعي يساعد إلى ذكاء اصطناعي ينجز. عندما نتحدث عن صعود الوكلاء وعن منظمات أقل عدداً وأكثر قدرة تشغيلية، فهذا يعني أن الميزة التنافسية لن تكون امتلاك أداة ذكاء اصطناعي، بل هندسة العمليات والحوكمة التي تجعل الأداة تعمل بأمان ووضوح مسؤوليات. من يوقّع القرار؟ من يراجع المخرجات؟ وما حدود التفويض للخوارزمية؟ هذه الأسئلة ستتحول من نقاشات نظرية إلى بنود يومية في لوائح العمل.

الاتجاهات المادية في القائمة تُحذّر من وهم أن التحول الرقمي كله يحدث داخل الشاشة. التنقل الذاتي يضغط على تخطيط المدن والسلامة المرورية والتأمين، بينما اللوجستيات الجديدة تعني أتمتة أعمق للتخطيط والتتبع والتسليم. وحتى Hyperloop (التنقل عبر الكبسولات) بغض النظر عن سرعة انتشاره؛ إلا أنه يُرسل إشارة واضحة: التنافس القادم سيكون على بنية تحتية تقلل تكلفة الزمن، وتعيد توزيع فرص الاستثمار والسكن والعمل. لذلك، أي دولة أو مؤسسة تريد الاستفادة تحتاج إلى بيانات آنية عالية الجودة، ومعايير تشغيل وسلامة، وتنسيق بين التنظيم والتنفيذ، لأن الخطأ هنا لا يظل تقنياً بقدر ما يتحول سريعاً إلى أثر اقتصادي وخدمي ملموس.

وفي محور رأس المال البشري، تتنبأ ESADE بأن الروبوتات البشرية ستقترب من الاستخدام العملي، وبأن الترجمة الفورية المتزامنة ستجعل تعلم اللغات أقل ضرورة في كثير من السياقات، مع اتصالات تتجاوز الحدود التقليدية. هذا لا يلغي الإنسان؛ لكنه يغيّر وظيفته: من تنفيذ متكرر إلى إشراف وتصميم تجربة وإدارة مخاطر وبناء ثقة. ستعلو قيمة من يستطيع ترجمة احتياجات العمل إلى قواعد تشغيل للذكاء الاصطناعي، ويعرف كيف يختبر الأداء، ويتعامل مع الانحيازات، ويشرح القرار للقيادة وللمستفيد النهائي بلغة بسيطة.

هذه القفزة تفتح باباً حساساً: مؤشرات جهات بحثية واستشارية ترى أن هذا العام سيشهد ضغطاً أكبر نحو السيادة الرقمية والتنظيم الأمني مع اتساع الاستخدام العملي للذكاء الاصطناعي، ما يجعل الحوكمة شرطاً لالتقاط القيمة، وليس عائقاً لها. بعبارة أخرى: مشروع «وكلاء» أو «أتمتة» بلا صلاحيات دقيقة، وسجلات تدقيق، وحماية بيانات، وخطط استمرارية عمل، قد يحقق وفراً سريعاً، لكنه يراكم خطراً مؤسسياً يصعب تداركه لاحقاً.

أما أكثر ما يستفز الخيال في تقرير ESADE فهو غزو الذكاء الاصطناعي للفضاء وظهور باحثين ومهندسين غير بشريين. هنا يمكن أن تنضغط دورة الابتكار من سنوات إلى أشهر، لكن كل اختصار في الزمن يضاعف الحاجة إلى ضوابط أخلاقية وملكية فكرية وتوثيق مصادر البيانات؛ لأن سرعة الاكتشاف إذا لم تُرافقها شفافية، قد تولّد نزاعات وثقة هشة وتكاليف قانونية أكبر من أي مكسب تقني.

ويبقى سؤال وريث الهاتف الذكي إشارةً إلى تحوّلٍ أعمق؛ فالبحث عنه ليس تنافسًا على جهازٍ جديد، بل على واجهةٍ جديدة تُعيد تشكيل عاداتنا الرقمية في التعليم والعمل والخدمات والخصوصية.

وأفضل طريقة لاستيعاب هذه الاتجاهات ليست مطاردة كل جديد، بل اختيار سيناريوهات عالية الأثر وبناء جاهزية لها: استراتيجية بيانات، وسياسات حوكمة للذكاء الاصطناعي، ومهارات تشغيلية جديدة، وتجارب صغيرة سريعة تُقاس نتائجها ثم تُوسّع بثقة.