لا شيء أشدّ إيلاماً من فقدان أرواح بريئة، راحت ضحية استهتارٍ يصل إلى حدّ الجريمة.

وأصفه بالجريمة لأن الاستهتار بأرواح البشر هو أبشع صور العدوان؛ يدمر أُسراً، وينشر الرعب، ويُقلق مجتمعاً بأسره، ويقودنا إلى مرحلة نفقد فيها الإحساس بالأمان على أنفسنا وعلى من نحب.

ما ذنب تلك العائلة الصغيرة -شاب وزوجته الشابة وطفلتهما الغضة- حتى تنتهي حياتهم في لحظات؟!

لم يخالفوا القانون، ولم يرتكبوا خطأ. خرجوا من مخيمهم العائلي عائدين إلى منزلهم، فإذا بسيارة تُقاد بتهور في الاتجاه المعاكس تصطدم بهم وجهاً لوجه، لتنهي حياتهم دفعة واحدة!

تعبت من الكتابة عن التهور في شوارعنا، وكنت وما زلت من أشد المطالبين بتغليظ العقوبات في قانون المرور بحق كل من يستهتر بحياته وبحياة الآخرين، ويحوّل الطرق إلى «شوارع رعب وموت».

ورغم تشديد العقوبات مرة بعد أخرى، إلا أن هناك انفلاتاً لدى البعض، يحوّل البحرين إلى مساحة حزن سوداء، ويزهق أرواحاً بريئة بشكل يفور له الدم.

قبل الحادث بيوم -وليس ذلك أمراً نادراً- وعلى الطريق السريع تحديداً، يمكن مشاهدة نماذج مرعبة لسائقين متهورين.

سرعات جنونية وكأننا في حلبة سباق، والأخطر أولئك الذين يلتصقون بالسيارات أمامهم حتى لا تتجاوز المسافة مترين أو ثلاثة، وهم يواصلون الضغط على الأنوار الأمامية لإجبار غيرهم على إخلاء الطريق.

والله إن سيارات الإسعاف، وهي تحمل حالات طارئة، لا تمارس هذا السلوك المرعب!

بعيني رصدت حالات كادت تتحول إلى كوارث. في إحداها، كانت امرأة تقود سيارتها، فإذا بسائق خلفها يلتصق بها ويضغط على الأضواء والبوق، وهو يسير بسرعة تفوق الحد المسموح به، وكأنه يقود طائرة نفاثة! من شدة الخوف والتوتر، انحرفت المرأة فجأة وكادت تصطدم بالسيارات في المسار الأوسط.

الإخوة الكرام في الإدارة العامة للمرور، والله نقدّر جهودكم الكبيرة، لكننا نحتاج اليوم إلى إجراءات أكثر صرامة. نحتاج إلى تفعيل الكاميرات لرصد هذه السلوكيات الخطرة تحديداً، وإلى دوريات مدنية متخفية تراقب هؤلاء المتهورين وتوقفهم وتحيلهم إلى القضاء، لينالوا العقوبات التي تردعهم.

فنحن لا نتحدث عن مخالفات عادية، بل عن سلوكيات تفضي إلى قتل الأرواح.

ولمن يرى أن في هذا الطرح مبالغة، أقول له: تخيّل فقط -لا سمح الله- أن يكون ضحية هذا الاستهتار ابنك أو أحد أفراد أسرتك!

شهدتُ بنفسي في إحدى دول الخليج سائقاً متهوراً أرعب الجميع على المسار الأيسر، فما هي إلا ثوانٍ حتى ظهرت ثلاث سيارات مدنية تابعة للمرور، لاحقته وأوقفته، وصادرت سيارته تمهيداً لمحاكمته. الاستهتار بحياة البشر جريمة، ولا وصف آخر لها.

ما حدث في البرّ يدفعنا للمطالبة بضرورة تطوير البنية التحتية لهذه الطرق، عبر فصل الاتجاهين بحواجز أمان، بدل تركها متقابلة بلا فاصل، حيث تكفي محاولة تجاوز واحدة متهورة لوقوع تصادم وجهاً لوجه.

كما أن إنارة هذه الطرق ضرورة ملحّة، لأن الخطر ليلاً مضاعف في شوارع مظلمة وسلوكيات متهورة وسرعات جنونية.

رحم الله تلك الأسرة البريئة، وصبّر أهلها، ورحم الله كل من قضى ضحية لمستهترين نسوا أن هذه التجاوزات والسرعات تُعتبر «نوايا قتل» بانتظار وقوع الكارثة.