تمثل الاعتداءات الإيرانية الغاشمة التي استهدفت البحرين وشقيقاتها دول الخليج العربي عملاً عدوانياً مرفوضاً ومداناً بشكل قاطع، كما أن استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، ولا يمكن النظر إليه إلا بوصفه سلوكاً عدائياً يهدد قواعد النظام الدولي التي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم الاعتداء على الآخرين. وقد أثبتت الهجمات الإيرانية الآثمة، أن النظام الإيراني وترسانته العسكرية يشكلان الخطر الأكبر على أمن دول الخليج العربي ليس اليوم فحسب، بل منذ أكثر من 47 عاماً.
من جانب آخر، وفي الحروب الحديثة لا تكون الضربة الأولى دائماً هي التي يعلن عنها. ففي 28 فبراير، حين نفذت الولايات المتحدة ضربة جوية دقيقة أدت إلى القضاء على عدد من أبرز القيادات الإيرانية، بدا الأمر وكأنها لحظة اندلاع الحرب. لكن في الواقع، كانت تلك الضربة مجرد الجانب الظاهر من حرب بدأت في الخفاء قبل ذلك.
الضربة الأمريكية لم تبدأ بالصواريخ والطائرات، بل بهجمات سيبرانية موجهة إلى مراكز الاتصالات العسكرية وشبكات الكهرباء الإيرانية. فقد استهدفت هذه الهجمات شلّ القدرة على التواصل بين الأطراف الإيرانية من الداخل، وهي خطوة غالباً ما تسبق العمليات العسكرية في الحروب الحديثة. والهدف من ذلك ليس فقط تعطيل الخصم، بل أيضاً حرمانه من القدرة على الرد السريع أو تنظيم دفاعاته.
هذا النمط من العمليات تم استخدامه مؤخراً في فنزويلا قبل فترة وجيزة من اعتقال رئيسها السابق نيكولاس مادورو.
وفي نفس السياق، ووفقا لما نقلته صحيفة «فايننشال تايمز»، استخدمت أجهزة إسرائيلية أدوات تكنولوجية متقدمة لاختراق كاميرات المراقبة المرورية وأبراج الاتصالات في إيران، مما سمح بتحديد موقع المرشد علي خامنئي قبيل الضربة التي استهدفت موقع تجمع القيادة الإيرانية في طهران. كما تمكنت من اختراق أحد التطبيقات الإسلامية الشائعة التي يستخدمها أكثر من خمسة ملايين إيراني، و تم بث رسائل تدعو الإيرانيين إلى الاحتجاج ضد النظام. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تعرضت عدة مواقع إخبارية إيرانية لاختراقات إلكترونية عُرضت من خلالها رسائل معارضة للنظام.
ومع ذلك، فإن السلاح السيبراني – رغم تأثيره المتزايد – نادراً ما يكون حاسماً بمفرده. فبحسب ما نقلته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عن أحد الخبراء في الأمن السيبراني، فإن هذا النوع من الأسلحة يعمل في الغالب كمضاعف للقوة، إذ يساهم في تشكيل البيئة المعلوماتية وتهيئة المسرح للعمليات العسكرية التي تُنفذ على الأرض.
في المقابل، لم تغب إيران عن هذا الميدان. فمجموعات الاختراق الإلكتروني المرتبطة بها تنشط هذه الأيام في محاولة لاختراق الكاميرات الأمنية في إسرائيل والدخول إلى أنظمة حكومية بهدف تعطيلها أو حذف بعض البيانات منها. غير أن حجم هذه الهجمات ما زال أقل مما كان متوقعاً حسب تقارير متفرقة، وربما يعود ذلك إلى تراجع الاتصال بالإنترنت داخل إيران، أو إلى حالة الارتباك في تنظيم عملية تسلسل الأوامر التي تعيشها الدولة الإيرانية والتي أعقبت استهداف القيادات العليا فيها.
وقد شهد الأسبوع الماضي هجوماً إلكترونياً استهدف شركة «سترايكر» الأمريكية في ولاية ميشيغان، وهي شركة متخصصة في تصنيع الأجهزة الطبية ويعمل فيها أكثر من خمسين ألف موظف. وقد أعلنت مجموعة «حنظلة»، المرتبطة بإيران، مسؤوليتها عن هذا الهجوم.
كل ذلك يشير إلى أن المواجهات الحالية لا تقتصر على الصواريخ والطائرات، بل موجودة في فضاء أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً. وفي حين يكون تدمير الأسلحة أو استهداف القيادات العسكرية أمراً ممكناً، فإن تدمير القدرات السيبرانية يمثل تحدياً مختلفاً، لأنها أقل مركزية وأكثر انتشاراً، ويمكن أن تستمر حتى في حال تراجع القوة العسكرية التقليدية. ومن هنا تبرز أهمية أن تستعد دول الخليج ليس فقط للتهديدات العسكرية الإيرانية، بل أيضاً للتهديدات السيبرانية التي قد تستهدف البنية التحتية ومرافق أخرى مهمة. فالحروب الحديثة لم تعد تُخاض فقط في السماء أو البحر أو الأرض، بل أيضاً في الفضاء الرقمي.
ولهذا قد يكون “الجانب الخفي” من الحرب هو الميدان الذي سيحدد شكل الصراع في المرحلة المقبلة. ففي هذا العالم غير المرئي، لا تُسمع أصوات الانفجارات، لكن آثاره قد تحدث هزات لا تقل خطورة عن الأسلحة التقليدية.