تتّضح الصورة المتكاملة لشخصية صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة رحمه الله وطيّب الله ثراه عند استكمال مناقبه التي شكّلت جوهر قيادته، وأضفت على حكمه بُعداً حضارياً وإنسانياً امتد أثره في المجتمع البحريني والخليجي.

وقد عبّر ابنه الشيخ محمد بن عيسى عن هذه الصفات في رثائه لوالده، فقال:

أنا ابنُ عيسى وعيسى وحده بطلُ

الهيجاءُ والواهبُ الأموالَ والنُّشُبا

خمسٌ وستون عاماً حكمَه وبها

أعطى وأطعمَ حتى أنهضَ العربا

وهو الصبورُ إذا ما أزمةٌ أزفت

وهو الجسورُ إذا ما اشتدَّ وانتدبا

وكلُّ له من أيادٍ لا أحيطُ بها

سلِ الدواوينَ عنها واسألِ الكُتُبا

تميّز صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة بالصبر وطول الأناة، إذ قاد دفة الحكم بحنكة وحسن إدارة وحكمة. وقد لازمت هذه السمة تعامله مع الأزمات والظروف الدقيقة، حتى وصفته المصادر بأنّ له «هِمّة لا تنثني لكبار الأمور»، وأنّه لا يعرف الراحة إلا بعد إنجاز ما يعزم عليه.

ومن أبرز مناقبه الحلم والتسامح وإدارة الأمور بالروية، وابتعاده عن الاستعجال في الحكم، واعتماده الرفق والتدرّج في معالجة القضايا، وسعيه الدائم إلى الإصلاح بين المتخاصمين. فقد كان يؤمن بأنّ التروّي أساس الحكم الرشيد، وأنّ درء الفتن مقدّم على تعجيل العقوبة.

لم تغب الشجاعة والفروسية عن شخصيته، فكانت شجاعة القائد التاريخي الحازم الحكيم المحنك المقتدر، شجاعة الدفاع عن البلاد، والتصدّي للعدوان.

وقد تجلّت هذه الشجاعة في صورة فروسية عربية أصيلة، قائمة على النخوة وصون الكرامة، فقد عُرف ببسالته حين دافع دفاع الأبطال في مواقف عصيبة، فكان التاريخ شاهدًا على صدق شجاعته. فكان يدافع عن البحرين، ويحميها ويأبى الظلم، ويتصدى للعدوان ويذود عن رعاياه وأبناء بلده دونما تردّد.

كما عُرف صاحب العظمة الشيخ عيسى الكبير بوفائه بالعهود والمواثيق، لا يرى في الالتزام بها ضعفاً، بل مظهراً من مظاهر الأخلاق السياسية المستمدة من الدين والقيم العربية الأصيلة. وكان يحمي من يلوذ بحماه، ويجير من استجاره، ويفي بعهده ومواثيقه ويحفظ ذمته.

ومن السمات البارزة في شخصيته الذكاء المتوقّد والفصاحة وحُسن الخطاب؛ إذ تميّز بقدرة عالية على التأثير والإقناع، وإدارة الحوار والنقاش برويّة، سواء في مجالسه العامّة أو الخاصّة، ممّا عزّز مكانته قائداً حاضر الذهن نافذ البصيرة.

وقد تمسّك صاحب العظمة الشيخ عيسى الكبير بعروبته وإيمانه الديني تمسّكاً عميقاً، وجعل من الشريعة الإسلامية أساساً للحكم وإدارة شؤون البلاد. كما حافظ على العادات والتقاليد الموروثة، واعتزّ بالتراث بوصفه ركيزةً للهوية الوطنية.

وبذلك تكتمل صورة صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة رحمه الله وطيّب الله ثراه قائداً عربياً فذّاً، لم تكن مناقبه صفاتٍ فرديةً متفرّقة، بل منظومةً متكاملة من القيم القيادية والإنسانية مثّلت امتداداً لنهجٍ راسخ رشيد متجذّر مثّل سمةً عامّة لدى حكّام آل خليفة الكرام التي قامت منذ فتح البحرين وبدء الحكم الوطني عام 1783 على قيم العروبة والإسلام، والاحتكام إلى الشريعة، والوفاء بالعهد، والقرب من المجتمع.

وقد توارث شيوخ آل خليفة الكرام هذا النهج، فغدا جزءاً من تقاليد الحكم، ومكوّناً أصيلاً من مكوّنات الهوية السياسية والاجتماعية لمملكة البحرين.

* باحثة في التاريخ وأكاديمية