التقدّم في العمر يراه البعض عبوراً صامتاً للسنوات، ورقماً يُضاف إلى سجلّ الأيام، لكنه في الواقع حصيلة ما تراكم من خبرات، وما ترسّب من وعي، وما استقر في القلب من دروس.

في بدايات العمر، نقف أمام الحياة باندفاع الشباب المتخفّي في هيئة النضج؛ نتعامل مع المواقف بردّات فعل سريعة، ونُصدر أحكامنا قبل أن نُحسن الإصغاء، ونختار طرقنا بقرارات تحكمها العاطفة أكثر مما يضبطها التعقّل. نندفع نحو الأشياء غير عابئين بما نكسره في طريقنا.

الأيام، بما تحمله من تقاطعات النجاح والإخفاق، ومن امتزاج الفرح بالألم، لا تترك الإنسان على حاله. فالتجارب المتعاقبة تنحت في داخله ملامح جديدة، وتُعيد تشكيل أولوياته، وتُهذّب رؤيته للأشياء. هناك، حيث يتجاور الانتصار والانكسار، تُصقل الشخصيات، وتُعاد برمجة القناعات، فيدرك المرء أن بعض الخسارات لم تكن سوى نجاة مؤجّلة، كما يُقال، وأن كثيراً مما ظنّه مكسباً لم يكن إلا عبئاً مُقنّعاً بثوب السعادة.

مع تقدّم العمر، تتبدّل الاهتمامات، ينصرف الإنسان شيئاً فشيئاً عن ضجيج الصراعات، ويفقد شهيته للمشاحنات، ويغدو أكثر ميلاً إلى الهدوء، وأكثر احتراساً في قراراته، وأشدّ حرصاً أن تكون خطواته موزونة بميزان العقل لا باندفاع اللحظة. يبدأ في البحث عن العلاقات التي لا تُثقل الروح بسوادها، ولا تُنهك القلب بإحباطاتها، بل تمنحه صفاءً بلا ضجيج.

يمضي العمر، وكثيرون يبدّدونه في دروب لا تحصد إلا الكآبة والبؤس. حتى في مسألة التعرّف إلى الآخرين، يبلغ المرء مرحلة من الوعي تجعله أكثر تريّثاً وأشدّ حذراً؛ فليس كل من أبدى وُدّه محباً، وليس كل من زيّن لك حضوره كان باعثاً على الطمأنينة. بعض العلاقات، وإن بدت في بداياتها مضيئة، تحمل في جوفها بذور الألم والسوداوية، وتنهش الداخل ببطء حتى تميته.

هنا تتجلّى الحقيقة؛ إذ العمر لا يكون قيمة في ذاته، إلا إذا صاحبه ارتقاء في الفكر ونضج في السلوك. الحياة لا تخلو من منعطفات حادّة، ولا تسلم من تقلّبات مفاجئة، وكل مرحلة منها امتحان للعقل قبل أن تكون اختباراً للقلب. وعليه قد نفشل أحياناً، وقد نُخذل، وقد نشعر بأن العقد تتكاثر والطرق تضيق، غير أن العِبرة ليست فيما نعانيه، بل في الكيفية التي نُعيد بها ترتيب ذواتنا أمام تلكم العواصف.

حين يبلغ الإنسان هذه المنزلة من الإدراك، يكتشف أن أعظم انتصار يحققه ليس في تغيير العالم من حوله، بل في إعادة صياغة عالمه الداخلي. يتعلّم أن يُبسّط ما تعقّد، وأن يُخفّف ما أثقل روحه، وأن يستثمر ما بين يديه من بيئة وعلاقات وأمكنة بذكاء روحي ونفسي، يصنع به مساحات صغيرة من الطمأنينة وسط فوضى الحياة، وبالأخص «المصطنعة».