منذ نهاية ديسمبر الماضي، وأخبار احتمالية توجيه ضربة عسكرية لإيران تشعل المنطقة بل العالم، ولا حديث في مواقع التواصل الاجتماعي للمهتمين بالسياسة والاقتصاد سوى موضوع الضربة التي ستوجّهها أمريكا لإيران، وها نحن نقترب من مضي شهر على هذه التهديدات ولايزال الأمر كما هو عليه (نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً).

وهنا لست بصدد التحدث عن موضوع الضربة الأمريكية أو مشاكل إيران الداخلية، بل عن أمر كان يجب أن يتأثر بهذه الأمور السياسية وغيرها، ألا وهو سعر النفط. سعر النفط الذي كان من المفترض أن يكون شديد الحساسية للأخبار والقرارات السياسية، إلا أنه في السنوات الأخيرة أصبح لا يتأثر بأي عوامل سياسية أو اقتصادية مهما كانت كبيرة وحادة.

ففي 13 يونيو 2025 شنّت إسرائيل ضربات في العمق الإيراني، عاكسة توقعات أغلب المحللين بأن إسرائيل وأمريكا ليست لديهما نية لفتح جبهة إضافية وإشعال المنطقة، إلا أن ما حدث جاء عكس ما كان يتوقعه الجميع، وحصلت ضربة لإيران التي كانت تهدد مسبقاً بإغلاق مضيق هرمز وتعطيل جميع المصالح الدولية، مما كان يوحي بأن تشتعل أسعار النفط وتتجاوز 100 دولار، إلا أن لا شيء من هذا حصل، بل تذبذبت أسعار النفط في تلك الفترة بشكل بسيط ثم استقرت كما كانت.

وحتى حين شكّلت تهديدات الحوثيين وعملياتهم العسكرية خطراً حقيقياً وواقعياً على الملاحة الدولية في منطقة البحر الأحمر والمحيط الهندي، لم تتأثر أسعار النفط أيضاً. أضف إلى ذلك العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، والتي تشمل تصدير النفط وتشكّل نسبة كبيرة من الاستهلاك العالمي، والتي بسببها كان يجب أن تقفز أسعار النفط إلى مستويات خيالية كما توقعت كبرى المؤسسات المالية العالمية، إلا أن أسعار النفط لم تتأثر سوى لبعض الأسابيع، وما لبثت أن عادت كما كانت.

بين كل تلك المشاكل في العالم، ما بين صراعات عسكرية ومشاكل اقتصادية، تجد الظل الأمريكي حاضراً وبشكل لافت، إما مسعّراً للنار أو طرفاً في تقوية أحد أطراف الصراع وإبقائه مشتعلاً.

وحاليًا تصرّ الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة على جعل غرينلاند تابعة لها وجزءاً منها، وإن اعترض عدد من الدول في الأمم المتحدة. وكل هذه التوترات السياسية على مستوى العالم، وأضف إليها الكوارث الطبيعية، فإن أسعار النفط لم تتأثر. أليس الأمر بغريب؟

نعم الأمر غريب وواضح، أسعار النفط التي كانت شديدة الحساسية للأخبار في العقد الماضي انفصلت عن الواقع، وأصبحت تتأثر بطريقة مختلفة وخفية، والأكيد أن النفط لا تحرّكه كل تلك العوامل، بل الرأي الأمريكي الذي يستفيد من هبوط أو صعود أسعار النفط حسب مصالحه وحاجته، فلا ضرب إيران ولا جفاف آبار النفط سيؤثران على الأسعار، فالأسعار تحرّكها اليد الخفية متى شاءت وكيفما شاءت، العالم يشتعل وأسعار النفط في سُبات.