لا تعيش المجتمعات المتغيرة أزماتها الكبرى؛ بسبب نقص الموارد أو غياب الطموح، بل نتيجة اختلال التوازن بين سرعة التحوّل الاجتماعي وقدرة النظام السياسي على استيعابه.

فحين يتقدّم التحديث بوتيرة أسرع من نضج المؤسسات، لا تتحول السياسة إلى أداة تنظيم، بل إلى مساحة توتر دائم. هنا، لا يكون السؤال عن شكل النظام، بل عن قدرته على إدارة التحول دون أن يفقد شرعيته أو استقراره.

في البيئات التي تشهد انتقالات اقتصادية واجتماعية متسارعة، تتغير أنماط التعليم، وتتسع الطبقة الوسطى، وترتفع التوقعات، بينما يُطلب من النظام السياسي أن يؤدي دوراً مزدوجاً: الحفاظ على النظام، والاستجابة للتغيير.

هذه المعادلة، إن أُديرت بوعي مؤسسي، تنتج استقراراً طويل الأمد؛ وإن أُديرت بمنطق أمني أو ظرفي، تتحول إلى عبء سياسي مؤجل.

المشكلة لا تكمن في التحديث ذاته، بل في الاعتقاد بأن التنمية الاقتصادية قادرة وحدها على إنتاج الاستقرار. فالتاريخ السياسي الحديث يوضح أن النمو، حين لا يُرافقه بناء مؤسسي متدرج، قد يتحول من عامل استقرار إلى مصدر ضغط. فالتعليم يولّد وعيًا، والوعي يولّد مطالب، والمطالب تحتاج إلى قنوات منظمة للتعبير. وحين تغيب هذه القنوات، لا تختفي المطالب، بل تتخذ أشكالاً أقل قابلية للضبط.

في هذا السياق، يبرز نموذج شائع في المجتمعات المتحولة: دولة تلعب دور المحرك الرئيسي للتنمية، ومجتمع تتسارع فيه التطلعات، لكن أدوات التمثيل والتفاعل السياسي تبقى محدودة أو مؤجلة. هذا النموذج لا ينفجر بالضرورة، لكنه يعيش حالة شد دائم، حيث يُدار الاستقرار عبر الاحتواء لا عبر التنظيم، وعبر التأجيل لا عبر الحلول البنيوية.

وهنا تبرز نقطة حساسة: الخلط بين الاستقرار وإدارة التغيير أمنياً.

فالأنظمة التي تنجح مؤقتًا في ضبط التحوّل بالقوة الإدارية أو المالية، قد تجد نفسها لاحقًا أمام مطالب أكثر تعقيداً، لأن التغيير الذي لا يُنظم مؤسسياً لا يختفي، بل يتراكم. فالسياسة ليست في إيقاف الحركة، بل في تحويلها إلى مسار يمكن التنبؤ به.

من هنا، تصبح قوة النظام السياسي مرهونة بقدرته على بناء مؤسسات فاعلة، لا بمجرد امتلاكه أدوات السيطرة. فالمؤسسات -لا الأشخاص-هي التي تمتص الصدمات، وتنظم الخلاف، وتحول التوتر الاجتماعي إلى نقاش سياسي قابل للإدارة.

وكلما كانت هذه المؤسسات واضحة الصلاحيات، مستقرة القواعد، ومتدرجة في الإصلاح، زادت قدرتها على حماية النظام من التقلبات المفاجئة.

الأنظمة الأكثر استقرارًا في البيئات المتغيرة ليست تلك التي استجابت لكل ضغط، ولا تلك التي تجاهلته بالكامل، بل التي أدركت أن الشرعية تُبنى عبر الاستمرارية لا القطيعة، وأن الإصلاح ليس استجابة لحظة، بل عملية ضبط إيقاع بين الممكن والمطلوب.

وقبل الوصول إلى الخلاصة، يفرض السؤال نفسه دون مواربة:

هل تُبنى الأنظمة المستقرة على إدارة التغيير، أم على تأجيله؟

- حجر الزاوية:

في زمن التحوّل، لا يُقاس نضج النظام السياسي بقدرته على فرض النظام، بل بقدرته على تنظيم التغيير. فحين تسبق السياسة المجتمع دون مؤسسات، ينشأ التوتر؛ وحين يسبق المجتمع السياسة دون قنوات، تنشأ الفوضى.

أما الاستقرار الحقيقي، فلا يولد من تعطيل الحركة، بل من إدارتها بعقل الدولة، وبمؤسسات تدرك أن الزمن لا ينتظر، لكنه لا يرحم من يسيء قراءته.