في هذه الأيام الباردة نسبياً، حين تتسلل نسمات خفيفة إلى بيوت البحرين، ونجد لأنفسنا عذراً إضافياً لصب كوب شاي ثقيل يدفئ الكف قبل القلب، يبدو الحديث عن التبريد وكأنه خارج السياق. المكيفات صامتة، والفاتورة نائمة، والكمبريسور في إجازة غير مدفوعة الأجر. لكن البحريني، بخبرة السنين، يعرف أن هذا الهدوء مؤقت، وأن الصيف لا ينسى طريقه إلينا أبداً.
وأنا أراقب بخار الشاي يتصاعد ببطء، خطر في بالي سؤال بسيط: هل يمكن أن يأتي يوم يبرد فيه البيت كما يدفئ هذا الكوب اليد... بهدوء، وبدون ضجيج، وبدون قلق؟ هنا تدخل تقنية غريبة الاسم، لطيفة الفكرة، اسمها «التبريد بالمرونية الحرارية «Elastocaloric Cooling»»، أو كما أحب أن أسميها: المكيف الذي يتمرن.
الفكرة، على بساطتها، تشبه لعبة كنا نمارسها ونحن صغار. تشد رباطاً مطاطياً بسرعة فيسخن، وتتركه فيبرد. العلماء قرروا أخذ هذه الحركة الطفولية بجدية بالغة، واستبدلوا الرباط المطاطي بمعادن ذكية، أشهرها خليط من النيكل والتيتانيوم، قادرة على التسخين والتبريد بمجرد الشدّ والارتخاء. لا غاز، لا فريون، لا ضغط بخار، فقط «عضلات معدنية» تعمل بصمت.
في المختبرات، لم تعد القصة نظرية. تجارب حديثة أظهرت أن هذه المواد قادرة على خفض حرارة الهواء بأكثر من عشر درجات، وبكفاءة تنافس – وأحياناً تتفوق – على المكيفات التقليدية. نماذج أولية استطاعت العمل مئات الآلاف، بل ملايين الدورات، دون أن «تتعب»، وكأنها اعتادت على التمارين اليومية أكثر منا. والأجمل؟ كل هذا يتم بلا تلك الأصوات التي اعتدنا أن نرفع التلفزيون بسببها درجة أو درجتين.
بالنسبة لبلد مثل البحرين، حيث يستهلك التبريد جزءاً كبيراً من الكهرباء، الفكرة ليست ترفاً علمياً. مكيف لا يستخدم غازات ضارة يعني تسربات أقل، صيانة أقل، ومكالمات أقل لفني «الغاز» في عز الظهيرة. يعني أيضًا فواتير أهدأ، وربما شعوراً جديداً بالدفء... دفء أن الأرقام في آخر الشهر لا تهاجمك فجأة.
طبعاً، القصة ليست وردية بالكامل. الرطوبة العالية، التي نعرفها جيداً، تحتاج حلولاً إضافية. المعادن، مهما كانت ذكية، يجب أن تصمد لسنوات طويلة. والتكلفة، كأي تقنية جديدة، لا تزال مرتفعة نسبياً. لكن التاريخ علمنا أن كل تقنية تبدأ في المختبر، ثم تنتهي في غرفة الجلوس. هكذا كانت الثلاجة، وهكذا كان المكيف نفسه.
اللافت أن شركات كبرى بدأت تراهن على هذا الاتجاه، ومشاريع أوروبية تتحدث صراحة عن نماذج منزلية خلال بضع سنوات. أي أن السؤال لم يعد «هل؟» بل «متى؟». وربما، حين يعود الصيف ويعود معه صراعنا السنوي مع الحرارة، نجد أنفسنا أمام مكيف لا ينفخ هواءه بقوة، بل «يعصر» الحرارة بهدوء، مثلما نعصر كيس شاي ونستمتع بالنتيجة.
إلى أن يحدث ذلك، سنواصل شرب الشاي في هذه الأيام الباردة، ونستمتع بسكون المكيفات. لكن في مكان ما، هناك معادن تتمرن بصمت، استعداداً لصيف قادم، قد يكون أخف علينا.. وعلى فواتيرنا.
* خبير تقني