في عالم الأعمال التقليدي، كان التاجر يؤسس متجره أو مصنعه وهو يطمح أن يورثه لأحفاده من بعده، كانت دورة حياة المشاريع طويلة ومستقرة. أما اليوم، فقد تغيرت القاعدة الذهبية تماماً، وأصبحت التجارة أشبه بـ«الحليب الطازج»؛ سلعة شديدة الحساسية، سريعة التلف، وإن لم تُبع أو تُستهلك في وقتها المحدد، فسدت وفقدت قيمتها فوراً.

هذا التشبيه ليس لي، ربما سمعته من تاجر سعودي نسيت اسمه، كما أن التشبيه ليس مبالغة، بل هو واقع يفرض على رواد الأعمال والمستثمرين التحلي بمرونة فائقة لم نعهدها من قبل.

لم يعد الذكاء التجاري يكمن فقط في «كيفية الدخول» في مشروع واعد، بل أصبح «توقيت الخروج» منه والقفز إلى فرصة أخرى هو المهارة الأهم.

الأسواق اليوم لا تعرف الوفاء لمنتج معين؛ فالاحتياجات تتبدل بسرعة البرق، وما كان ضرورة ملحة بالأمس، قد يصبح «موضة قديمة» غداً.

يلعب الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة دور المحرك الرئيسي لهذا التسارع الجنوني. فالتقنية لا تتطور بشكل خطي بل بشكل أسي؛ فما إن يعتد السوق على تطبيق أو خدمة معينة، حتى تظهر خوارزمية جديدة تنسف النموذج القديم وتبدله بآخر أكثر كفاءة وأقل تكلفة.

هذا يعني أن العمر الافتراضي لأي مشروع تجاري أصبح أقصر بكثير، مما يحتم على التاجر أن يكون مستعداً لإعادة اختراع نشاطه أو تغييره بالكامل بين عشية وضحاها.

ولا يتوقف الأمر عند التكنولوجيا، فالرياح الجيوسياسية تعصف بسفن التجارة بلا هوادة. نعيش في عالم مترابط لدرجة مخيفة، حيث يمكن لقرار سياسي في أقصى الغرب، أو توتر عسكري في الشرق، أو تغيير في مسار سلاسل الإمداد، أن يقلب موازين الأسواق المحلية رأساً على عقب.

هذه التغيرات المفاجئة تخلق حالة من التخبط وعدم اليقين، تجعل من «الجمود» والاستمرار في نفس النهج انتحاراً تجارياً.

ولنا في الذهب خير مثال؛ فعلى الرغم من كونه «الملاذ الآمن» وتاريخياً هو مخزن القيمة الأكثر استقراراً، إلا أننا نراه اليوم يرقص على إيقاع الأخبار.

تقلبات أسعاره الحادة صعوداً وهبوطاً بناءً على خبر عن الفائدة أو تصريح سياسي، تثبت أنه لا يوجد شيء «ثابت» في قاموس المال اليوم.

أعرف رجال ورواد أعمال في البحرين مازالوا يعتقدون أنه يجب الانتظار 3 سنوات قبل البدء بجني الأرباح من مشروع أو صفقة، ومن بينهم من يطلق معرضاً أو مؤتمراً ويقرر أنه سيخسر في أول 3 دورات، وهناك من يطلب منك خطة لثلاث سنوات قبل أن يقرر تمويل مشروعك.

هل بالفعل مازال أحد يعتقد أن الرؤية واضحة لثلاث سنوات أو حتى ثلاثة أشهر؟

إذا كانت تجارتك مثل الحليب، فلا تخزنها طويلاً. كن سريعاً، قنّاصاً للفرص، ومستعداً دائماً للتحرك قبل أن تتغير «تاريخ صلاحية» السوق الذي تعمل فيه. في اقتصاد اليوم، البقاء ليس للأقوى، بل للأسرع والأكثر مرونة.