اعتدنا في بيئات العمل أن نرى المسؤول يبتسم حين يسمع كلمات الإشادة، ويشكر كل من يمدحه أو يثني على إنجازاته.
هذا أمر طبيعي؛ فالإنسان بطبعه يميل إلى ما يريحه نفسياً ويعزّز ثقته بذاته. لكن السؤال الأهم، لماذا نادراً ما نرى مسؤولاً يقول «شكراً على انتقادك»؟! ولماذا يبدو النقد -مهما كان عقلانياً ومحترماً- وكأنه هجوم شخصي لا ملاحظات مهنية؟!
لنفكر قليلاً في علاقتنا بالمرآة. الإنسان يحتاج إلى المرآة ليرى صورته كما هي، لا كما يتخيلها. ينظر فيها ليتأكد أن مظهره مقبول، وأن ما فيه من عيوب ظاهر أمامه بوضوح، فيحاول إصلاحه. المرآة لا تجاملك، ولا تخدعك، بل تعكس لك الواقع كما هو.
لكن هناك مرآة أخرى أكثر أهمية، وهي الناس المتأثرون بنتائج عملك. هؤلاء يرون ما لا تراه أنت، لأنهم يقفون في زوايا مختلفة، ويتعاملون مع المنتج أو الخدمة أو القرار من واقع التجربة اليومية. حكمهم غالباً أشمل من حكمك على نفسك، لأنهم المعنيون مباشرة بما تقدمه.
حين يأتي هذا الحكم في صورة نقد عقلاني، وبلغة محترمة ورصينة ومنطقية، فإنه يؤدي الدور نفسه الذي تؤديه المرآة، يكشف النقص، ويوضح الخلل، ويمنحك رؤية من جميع الاتجاهات، لا من اتجاه واحد فقط. هنا يصبح النقد أداة تطوير، لا وسيلة هدم، ويغدو فرصة لتحسين الأداء بدل أن يكون مصدراً للتوتر والانزعاج.
هناك مسؤولون يدركون هذه الحقيقة، فيتقبلون النقد بصدر رحب، بل يطلبونه أحياناً. يبنون نجاحاتهم على معرفة رأي الآخرين، ويؤمنون أن العمل الذي لا يُنتقد عمل محكوم عليه بالتوقف عن التطور. هؤلاء يقفون على الملاحظات، ويكملون النواقص، ويبحثون عن حلول أفضل وبدائل أكثر قدرة على تحقيق الرضا العام. ولا يجدون حرجاً في أن يقولوا «شكراً على الانتقاد»، انطلاقاً من القاعدة الأخلاقية العميقة «رحم الله من أهدى إليّ عيوبي».
في المقابل، هناك نوع آخر من المسؤولين لا يتطور إلا بالطريقة الصعبة. يضايقه النقد، ولا يرى فيه سوى إساءة أو تشكيك أو تطاول. يريد الإشادات فقط، ويتعامل مع أي ملاحظة وكأنها استهداف شخصي، لا تقييم مهني. في هذه الحالة تتحول العلاقة مع الجمهور أو الموظفين أو المستفيدين إلى علاقة مشحونة بالحساسية، وتصبح النجاحات الحقيقية صعبة المنال، لأن النظر إلى المرآة يتم من زاوية واحدة فقط، هي زاوية الذات.
ثقافة تقبل الانتقاد ليست رفاهية إدارية، بل شرط أساسي للنضج المؤسسي. فالمؤسسات التي تنمو هي تلك التي تسمح بسماع الأصوات المختلفة، وتفصل بين النقد والعمل، وبين الرأي والشخص. أما التي تكتفي بالتصفيق، فغالباً ما تعيش وهم النجاح، إلى أن تصدمها فجأة فجوة الواقع.
نحتاج أن نعيد تعريف الشكر في بيئاتنا العملية، فلا يكون موجهاً فقط لمن يمدحنا، بل أيضاً لمن ينبهنا إلى أخطائنا بأسلوب حضاري ومسؤول. لأن من يكشف لك عيباً قد يكون، في الحقيقة، أكثر حرصاً عليك ممن يراك كاملاً بلا نقص.