في كل زمن موجة، وفي كل موجة جمهور واسع لا يسأل كثيراً من أين جاءت، ولا إلى أين تمضي، المهم أن الكل راكب. وكأن الاستثمار تحوّل عند البعض إلى سباق جماعي لا يحتاج فهماً ولا معرفة، فقط اللحاق بالآخرين. هو استثمار بنكهة المثل الشعبي المعروف مع الخيل يا شقراء، حيث لا فرق بين من يعرف الطريق ومن يركض فقط لأنه رأى الغبار أمامه.

هكذا كانت حكاية الأسهم الخليجية مطلع الألفية، بين 2001 و 2004، حين فُتحت الأبواب على مصراعيها لكل من يعرف السوق، ومن لا يعرفه. دخلوا حين كانت الموجة في أعلى قمتها، وصفّقوا للارتفاع، ثم هبطت فجأة، فأخذتهم جميعاً إلى القاع، بلا استثناءات ولا أعذار.

لم تكن تلك آخر الحكايات. بعدها جاء الاستثمار الهرمي بوعوده السخية بالثراء السريع، وبخطابٍ عاطفي يعرف كيف يخاطب الحلم قبل العقل. دخل الناس مرة أخرى بالعقلية نفسها، لأن غيرهم دخل، ولأن الأرباح تُحكى أكثر مما تُفهم. انتهت القصة كما تنتهي كل القصص المشابهة، غموض، اختفاء، ومدخرات تبخرت، وأحلام لم تجد حتى من يكتب لها شهادة وفاة.

ثم توالت الموجات. عملات رقمية، منصات، تطبيقات، توصيات، قروبات، وأخيراً عاد الذهب والفضة إلى الواجهة. لا يكاد يمر يوم إلا وتجد من يحدثك بثقة مذهلة عن قمم تاريخية قادمة، وأهداف محددة، وسيناريوهات لا يشوبها شك. وحين تسأله كيف علمت، يجيبك ببساطة مطمئنة، الكل يقول.

الذهب والفضة، نعم، من أكثر أدوات الاستثمار أماناً تاريخياً، لكن الأمان لا يعني العصمة. فهذه المعادن تبقى رهينة الأوضاع الاقتصادية والسياسية، وأسعار الفائدة، وحركة الدولار، ومزاج الأسواق. الاستثمار فيها ليس مجرد شراء لأن السعر صعد، ولا سباقاً للحاق بموجة متأخرة، بل استراتيجية، ومعرفة بأساسيات السوق، وتوقيته، وإدارة واعية للمخاطر.

لكن المشكلة الحقيقية ليست في الأدوات، بل في السلوك. في دخول الناس دون علم أو معرفة، ودون الرجوع إلى أصحاب الاختصاص والخبرة. قرارات تُتخذ لأن مؤثراً قال، أو لأن صديقاً فعل، أو لأن الجميع يتحدث. استثمار قائم على التقليد، لا على الفهم، وعلى الضجيج، لا على التحليل.

المفارقة أن الخبراء موجودون، والتحذيرات موجودة، لكن الصوت الأعلى ليس صوت العقل، بل صوت الإثارة. الناس لا تبحث عمّن يفهم، بل عمّن يطمئنها بأن القرار صحيح، حتى لو كان الطريق خاطئاً. تريد من يقول ادخل الآن، لا من يقول تعلّم أولاً.

هكذا تتكرر القصة نفسها. دخول متأخر عند القمة، وخروج قاسٍ عند القاع. وحين تأتي الخسارة، لا يُسأل من روّج ولا من ضلل، بل تُحمّل الظروف، وتُفتح أبواب الشكوى، وكأن السوق فاجأ الجميع بلا مقدمات.ففي النهاية، ليست المشكلة في سوق ولا في معدن ولا في منصة استثمار، بل في عقلية ترفض أن تتعلّم، وتصرّ على أن تقلّد. عقلية تمارس الاستثمار بمنطق مع الخيل يا شقراء، لا تسأل إلى أين نذهب، ولا لماذا، بل فقط تركض مع الآخرين.

وما لم يتغيّر هذا السلوك، ستبقى الموجات تتبدل، وسيبقى القاع هو النهاية المتوقعة، مهما اختلف اسم الاستثمار، ومهما تغيّر شكله، لأن المشكلة لم تكن يوماً في الموجة، بل في من يركبها بلا بوصلة.