في عالم الاقتصاد، الذي يُفترض أن يقوم على البيانات، والنماذج القابلة للاختبار، والتوقعات المدروسة، نشهد في ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية، ظاهرة مقلقة حيث تحولت السياسة الاقتصادية للقوة العظمى من عملية مؤسسية معقدة، تشمل الكونجرس، ووزارة الخزانة، ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، وخبراء مستقلين، إلى قرارات فردية تُعلن فجأة عبر منصة «تروث سوشيال»، لتُحدث زلازل في الأسواق العالمية بين عشية وضحاها.

لطالما كان محللو العالم يحسبون توقعاتهم بناءً على سياسات يمكن رصدها، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك من بينها إصلاحات الضرائب في عهد رونالد ريغان (1981) وقضية الرعاية الصحية في عهد باراك أوباما (2010)، وفي كلتا الحالتين، مرت التشريعات عبر عمليات مطولة في الكونجرس، مع جلسات استماع ودراسات تأثير وتعديلات، سمحت للأسواق والخبراء تتبع التقدم فيها وحساب التكاليف والفوائد المحتملة، وكذلك التكيف تدريجياً، بل كانت المخاطر معروفة، والسياسات قابلة للقياس.

اليوم، الواقع مختلف جذرياً فعواصم العالم وأروقة وول ستريت وحتى حلفاء أمريكا يتساءلون.. أين اختفى الكونجرس؟ وماذا حل بالمؤسسة الدستورية التي كانت تحتكر سلطة فرض الضرائب وإعلان الحروب التجارية، والتي تبدو اليوم وكأنها تقف مكتوفة الأيدي أو ملتزمة الصمت.

هناك قرارات مصيرية، مثل فرض رسوم جمركية عشوائية على حلفاء أو خصوم، والتهديد بقطع سلاسل التوريد لأكبر الشركات العالمية، أو إصدار بيانات تؤثر مباشرة على قيمة الدولار كعملة احتياط عالمية، لم تعد تأتي من قاعات الكونجرس، بل من هاتف ذكي واحد، ومما لا شك فيه فستكون عواقبها الاقتصادية ملموسة على الجميع وخطيرة أيضاً على الدولار الهش والذي يعتمد عليه النظام المالي العالمي.

لقد حولت سياسة «تروث سوشيال» أسعار المعادن إلى فوضى يعيشها اقتصاد الكرة الأرضية، فمجرد أن يبدي ترامب نيته فرض عقوبات على دولة منتجة للنفط أو المعادن النادرة، فإن ذلك كفيل بإحداث موجات صادمة في الأسعار، تعاني منها اقتصادات نامية وصناعية على حد سواء، دون أي إنذار مسبق أو تحضير.

ولم تنجُ سلاسل التوريد من تلك السياسة «الهاتفية» حيث قرارات فرض الرسوم أصبحت سلاحاً شخصياً، يُستخدم لمجرد أن دولة ما «لا تساير» الرئيس ترامب، وهو ما حول نظام التوريد العالمي المعقد إلى رهينة للسياسة الاندفاعية، فارتفعت التكاليف وساد التضخم وارتبك المستثمرون.

قبل شهرين فقط، كتبت «ذي إيكونوميست» في تحليل بعنوان «العالم المحفوف بالمخاطر» أن «مخاطر السياسة الأمريكية تحت ترامب أصبحت غير قابلة للتحوط ضدها، لأنها لم تعد تنبع من أيديولوجية واضحة، بل من رد فعل شخصي»، وأشار التقرير إلى أن مؤشرات التقلب في أسواق العملات ارتفعت بنسبة 40% في الأيام التي تلت التصريحات غير التقليدية للرئيس على منصته.

وفي «وول ستريت جورنال»، حذر محللو «جيه بي مورجان» من أن «الاستقطاب المؤسسي وتمركز السلطة في البيت الأبيض يزيدان من عوائد السندات طويلة الأجل بمقدار 50 نقطة أساس على الأقل، كعلاوة خطر جديدة تماماً.»

أما «بلومبرغ» فاستشهدت بتحليل لـ»معهد التمويل الدولي» يشير إلى أن «تداول احتياطيات النقد الأجنبي بعملات بديلة للدولار شهد قفزة ملحوظة منذ 2023، في إشارة واضحة على بحث الدول عن بدائل في ظل بيئة عدم اليقين الأمريكية».

العالم اليوم لم يعد يخشى القوة الاقتصادية الأمريكية المنظمة، بل يخشى فرديتها غير المنضبطة، والسؤال الذي يواجه كل رئيس تنفيذي، وكل محافظ بنك مركزي، وكل مستثمر اليوم هو ما الذي سيهبط على «تروث سوشيال» غداً.