وأنا أخرج صباحاً إلى فُرضة المحرّق، وكوب الشاي بيدي، لا أفكّر كثيراً. البحر ساكن، والقوارب تمر وتبعثر سكونه، تاركة أثرها على سطح الماء ثم تختفي، كزفير طويل بعد انتظار. البرد لطيف، يشبه برودة الوداع؛ تلك التي ترافق لحظة التردّد عند الباب. أرتشف الشاي على مهل، والمنامة أمامي، وألاحظ كم أن بعض الأشياء تتحرك بهدوء.. وبعضها الآخر لا يعرف إلا الاستعجال.
هذا التباين البسيط — بين حركة لها وقتها، وحركة لا تصبر — هو نفسه ما نراه اليوم في الاقتصاد.
نعيش في زمن تحرّكت فيه الأسواق قبل أن نفهم لماذا تحرّكت. لم تعد القيمة هي المحرّك الأول، بل السرعة. إشعار عاجل، عنوان خبر غير مكتمل، أو حتى تغيّر بسيط في نموذج تنبؤ.. فيكفي ذلك ليقفز السوق أو ينهار جزئياً، لا لأن شيئاً جوهرياً تغيّر، بل لأن النظام لا يحتمل الانتظار.
هذا ما يمكن تسميته بـ«السوق العصبي».
سوق لا يخاف من الخسارة فقط، بل يخاف من التأخير. التكنولوجيا —من تداول آلي وخوارزميات وتحليل مشاعر— لم تعد تنتظر اكتمال الفهم. تبحث عن الإشارة، لا عن المعنى، وعن الحركة قبل السبب. وبينما أنا غارق في هذه الفكرة، يطير الحمام فجأة مع اقتراب عابر، يقطع سكون المشهد في لحظة، ثم يعود كما كان. لا خطر حقيقياً.. لكن المشهد وحده كان كافياً ليشرح السوق.
في الماضي، كان الزمن جزءاً من التحليل.. الخبر يصل، يُقرأ، يُناقش، ثم يُتخذ القرار. اليوم، الزمن عدو. من يتأخر ثوانٍ يُعاقَب، ومن يتريّث يُتَّهم بأنه فاته القطار. هكذا تحوّل الاقتصاد من مساحة تفكير إلى سباق ردود فعل.
الأخطر في هذا السوق العصبي ليس الخطأ، بل تضخيم الخطأ. حركة صغيرة تتحول إلى موجة، وموجة تتحول إلى ذعر، والذعر يُبرَّر لاحقاً بتحليلات تبدو عقلانية لكنها في الحقيقة جاءت بعد الفعل، لا قبله.. القرار يُتخذ أولًا، ثم نبحث له عن منطق.
والمفارقة أن كل هذا يحدث باسم الكفاءة. قيل لنا إن التكنولوجيا ستمنحنا أسواقاً أذكى، أكثر دقة، وأقل انفعالاً. لكنها في الواقع جعلت القلق أسرع، والخوف أكثر عدوى، والاستقرار حالة مريبة. إذا لم يتحرك السوق، نشك. وإذا تحرك بقوة، نرتبك.
المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في علاقتنا بها. في قبولنا الضمني أن كل حركة تستحق رد فعل، وأن كل إشارة تستدعي قراراً، وأن السرعة دائماً فضيلة. بينما الحقيقة أن بعض القرارات تحتاج زمناً، وبعض الحركات لا معنى لها، وبعض الفرص لا تُفوَّت لأنها لم تكن فرصة أصلًا.
تشتدّ الشمس، فتدفعني إلى مغادرة الفُرضة ومواصلة يومي، كما تفعل الأسواق حين تضيق بالانتظار. عندها يتضح لي أن الذكاء الاقتصادي اليوم لم يعد في امتلاك أسرع نظام، بل في امتلاك شجاعة التباطؤ: أن تعرف متى لا تدخل السوق، ومتى لا تضغط زر التنفيذ، ومتى تترك القوارب تمرّ دون أن تحاول تفسير كل أثرٍ على الماء.
أحياناً، الذكاء الحقيقي ليس أن تتحرك أولاً.. بل أن تعرف لماذا تتحرك، ومتى لا تتحرك أصلاً.
* خبير تقني