كعادته يظهر اسم العم العزيز سعادة السفير حسين راشد الصبّاغ، ذلك الوجه الذي يفتح أمام الذاكرة نافذة دافئة كلما وصلتني منه كلمة أو تعليق، ويمنح النصوص التي أكتبها مسحة من الطمأنينة، حين أعرف أنها وصلت إلى رجل عاش دهراً من التجربة، وصقلته المدن، وعمّدته المواقف، وأعطته الحياة حضوراً لا يصنعه المنصب بقدر ما تصنعه الروح، خلال اتصاله الأخير، وبعد قراءته لعمودي عن "يوسف الشيراوي" أوصاني بقراءة كتابه الأخير الذي أهداني إياه، كتاب حمل سيرته الذاتية كما عاشها هو، لا كما يمكن أن تُروى في الحكايات العامة، وكنت أرجئ القراءة إلى وقت تتسع فيه المساحة، حتى أجد نفسي غارقاً بين الصفحات، أتنقل بين محطات حياته كما لو أني أتبعه خطوة بخطوة.

وُلد حسين الصبّاغ في المحرق عام 1938، تلك المدينة تمنح أبناءها شيئاً من اتساع البحر ورسوخ الأرض وحميمية الأزقة، أكمل تعليمه في البحرين، ثم حمله الشغف باللغة العربية إلى القاهرة، حيث تخرج في كلية الآداب عام 1963، وعاد وهو يحمل في داخله صدى تلك السنوات التي ظلّ تأثيرها يتردد في لغته ونظرته وأسلوب حياته، فبدأ رحلته مدرساً، ثم انتقل إلى الكويت، يحمل حقيبته وطباشيره وحلمه البسيط بأن تحضن المهنة قلبه كما حضنته الكتب.

وبين الفصول الدراسية ودهاليز اللغة بدأت التحولات الكبرى، حين أصبح معيداً في جامعة الكويت، قبل أن تقوده الأقدار إلى دائرة الإعلام في البحرين في يونيو 1968، لتبدأ مرحلة مختلفة تماماً، مرحلة عاشها بين الملفات الثقافية والصحفية، وبين النقاشات التي كانت تملأ المكاتب، وبين شباب يتحسسون أول الطريق في إعلام يتشكل على مهل، لقد كانت تلك السنوات تصنع في داخله وعياً يلتقط التفاصيل الصغيرة، ويدرك أن الكلمة التي تُكتب في لحظة قد تعيش أطول من أي قرار.

وحين توسعت مسؤولياته، وجد نفسه في قلب الأحداث، يشارك في اجتماعات اللجان الإعلامية بجامعة الدول العربية، ويجلس في قاعات تزدحم بالوجوه والأصوات، ويسافر إلى لبنان ويشارك في تأسيس لجان الأمم المتحدة الإعلامية، ويتعرف على وجوه شكلت لاحقاً جزءاً من ذاكرة المنطقة، وفي تلك الفترة كان يقترب شيئاً فشيئاً من عالم السياسة الخارجية، حتى جاء قرار تعيينه سفيراً للبحرين في إيران عام 1979، ليقف عند واحدة من أكثر المحطات تعقيداً وإثارة في حياته وإحدى اللحظات التي غيرت تاريخ المنطقة.

فلقد كان عام 1979 بالنسبة لحسين الصبّاغ بوابة واسعة لمرحلة جديدة من حياته المهنية، ففي ذلك العام كلّفته الدولة بأن يحمل اسم البحرين إلى طهران بصفته أول سفير لها في الجمهورية الإسلامية، بعد أسابيع قليلة من التحولات الكبرى التي عاشتها إيران، فذهب إلى قم لتقديم أوراق اعتماده، وكانت المدينة تموج بالوجوه والأصوات والشعارات، وكان حضور السفراء العرب يمنحه مساحة لالتقاط ملامح المرحلة، وهو يتحرك بين المقار الحكومية وقاعات الاستقبال.

وخلالها التقى مهدی بازرغان، وفتح أمامه حديثاً يشبه المشي في ممر طويل تتقاطع فيه السياسة مع طبيعة الإنسان، ثم عاد إلى المنامة ليضع القسم أمام القيادة، فيما كانت الأجواء الإقليمية تبحث عن استقرار جديد، وقد سجّل هذه الأيام بتفاصيلها في "في بازار الآيات كانت لنا أيام"، حيث أضاء جانباً واسعاً من المشاهد التي عاشها سفيراً في لحظة من أدق لحظات تاريخ المنطقة.

وفي خضم تلك الأحداث جاء الرابع من نوفمبر 1979 ليضيف إلى ذاكرته صورة لا يغيب صداها، فقد استيقظ على وقع خبر اقتحام السفارة الأمريكية واحتلال كل مرافقها، وكان اليوم ثقيلاً بما حمله من ارتباك وقلق داخل السلك الدبلوماسي، فالمشهد الذي تابع تفاصيله من طهران كان يعكس انزياحاً كبيراً في ميزان القوى داخل الدولة الإيرانية الجديدة، وقد شعر بوطأة اللحظة، وهو يرى اللجان الثورية تتحرك بصلابة تفرض واقعاً مختلفاً على العمل الدبلوماسي، فاحتفظ بتلك اللحظة كما يحتفظ المرء بصورة لا تتبدد، ثم عاد يسجلها لاحقاً بوعي من عاش الحدث، وهو يرى ظلاله تمتد على المنطقة، ويترك بين السطور ما يساعد القارئ على فهم ما كان يدور خلف الأبواب المغلقة.

ومن طهران إلى نيويورك، حيث أصبح مندوب البحرين الدائم في الأمم المتحدة بين 1982 و1987، واستقبلته المدينة المتسارعة، وقد فتح أمامه فضاءً جديداً من العلاقات والرؤى والاجتماعات والأوراق وحكايات الدبلوماسيين، فكان يجلس إلى الوثائق، ويقرأ ما يتعلق بالبحرين، ويتابع نبض السياسة من قلب واحد من أهم مقرات العالم، ثم عاد ليواصل مسيرته متنقلاً بين العواصم، ففي الرباط عاش سنوات من العمل والحضور.

كما كان دخوله إلى الصين علامة جديدة في مسار حياته، فقد حمل حقيبته الدبلوماسية إلى بكين وهو أول من يمثل البحرين رسمياً هناك بعد تدشين العلاقات بين البلدين في سبتمبر 1989، وكانت المدينة تقدم له وجهاً مختلفاً من العالم، وجهاً مليئاً بالنشاط والحيوية وطبقات التاريخ التي تتداخل مع الحاضر في انسجام غريب، وفي تلك العاصمة المزدحمة بالوجوه والألوان جلس إلى طاولات المفاوضات، وفتح قنوات جديدة للتواصل، وأعاد رسم طريق جديد بين المنامة وبكين، وكان يزور الوزارات، ويجتمع بالمثقفين، ويشهد لقاءات رسمية تشكل ملامح مرحلة جديدة بين البلدين، فيما كان يراقب الحركة الواسعة في الشوارع والأسواق والجامعات، ويشعر أن حضور البحرين في الشرق الأقصى يكتسب عمقه لأول مرة.

وفي تونس حمل حقيبة السفير مرة أخرى بين 1997 و2001، وكانت تلك السنوات فرصة لكشف عوالم عربية متنوعة، ولقاء شخصيات سياسية وثقافية تركت أثراً عميقاً في رؤيته.

وبين محطات العمل ودفاتر الدبلوماسية كان الصبّاغ يكتب محاضراته، ويلتقي طلاب الجامعات في بكين، ويتحدث عن تاريخ البحرين، ويقترب من الأدباء والكتّاب، ويشرف على ترجمة أعمال الشاعر إبراهيم العريض، ويكتب في الصحافة منذ عام 1968، ويمنح القراء مقالات تجمع بين الهدوء والعمق، وتعيد صياغة الأسئلة التي تمر غالباً دون أن ينتبه لها أحد.

أما كتبه، فهي خرائط تمتد على مساحات واسعة من تجربته، لكل عنوان منها أثر مدينة ومشهد عاشه وقيدٌ خطّه وهو يتنقل بين العواصم، في "كتابات عتيقة من البحرين" الذي طبعه في تونس عام 2001، جمع دراسات أدبية ونقدية ضمت الشعر والقصة والمسرح لعدد من شعراء وأدباء البحرين، وقدّم فيها قراءة دقيقة لجوانبهم الإبداعية، ثم جاء كتاب "يوميات سفير بحريني في الصين" الصادر عام 2005، وفيه وثّق رحلته الأولى إلى بكين بعيون الدبلوماسي الذي عاش تفاصيل تأسيس العلاقة بين البلدين، وجمع بين دفتيه مشاهدات حيّة تكشف طبيعة العمل في الشرق الأقصى، وبعدها كتب "أسفار وأخبار" عام 2008، محتضناً ما سجّله في رحلات متعددة ارتبطت ببلدان مختلفة مهدت له معرفة واسعة بالثقافات، ثم أصدر "غزو الكويت بعيون صينية" عام 2012، وهو كتاب يعرض وقائع الغزو من زاوية نادرة رصد فيها صدى الحرب في الوعي الصيني، كما حمل كتاب "في بازار الآيات كانت لنا أيام" الصادر عام 2018 يوميات عمله في إيران خلال المرحلة الحساسة التي أعقبت الثورة مباشرة حين كان سفيراً للبحرين، ودوّن فيه ما رآه وعايشه من تحولات خلال عمله كأول سفير بعد الثورة الإيرانية.

أما "في ملفى المجانين والكلاب كانت لنا أيام" الصادر عام 2022، فقد تحدث فيه عن المجانين وكلاب الفريج وذكريات متنوعة من مواقف وطرف.

وكلما توغلت في سيرته، ازداد وضوح تلك القدرة التي يمتلكها على تحويل كل محطة إلى مساحة يترك فيها أثراً واضحاً، ويعود منها بما يضيف طبقة جديدة إلى تجربته، حتى تتشكل في مجموعها مسيرة تمتلئ بالتفاصيل التي تصنع الإنسان أكثر مما تصنع الوظيفة.

فقد التقى الإمام موسى الصدر في لبنان، وشارك في لقاءات جمعت السفراء العرب بكمال جنبلاط، كما التقى ابنه بعد الاغتيال، وكان شاهداً على مشاهد من السياسة العربية في أدق لحظاتها، وفي بكين استقبل وزير الخارجية الصيني وفداً بحرينياً وظهر الصبّاغ حاملاً اللغة التي جمعته بالعالم، وواقفاً وسط سفراء وأجانب في مشهد يضيء جانباً من شخصيته.

وهكذا يمضي القارئ في حياة حسين الصبّاغ كما لو أنه يمشي في ممر طويل، تتوزع على جانبيه المدن، وتتداخل فيه الثقافات، وتتراكم فيه الخبرات، وتكبر معه فكرة أن هذا الرجل جزء من ذاكرة البحرين الدبلوماسية والإعلامية، وجزء من قصة كتبتها الأجيال بمواقفها وأفعالها ورجالها.

وحين أعود إلى تلك اللحظة التي قال فيها إنه سيقرأ ما أكتب، يزداد إحساسي بأن هذه السطور تتجه نحو مساحة أبعد من مجرد عرض لسيرة شخصية، فهي تمضي في رسم ملامح رجل اتسعت حياته للعلم واللغة والسياسة والصحافة والدبلوماسية، وتراكمت فيها خبرات جعلت أثره ممتداً في الوعي العام، حتى غدت تجربته مادة يقترب منها جيل كامل بحثاً عن فهم أعمق لمسار البحرين وتحوّلاتها.

ومن بين هذه السيرة يخرج سؤال قديم يتجدد دائماً، كيف يصنع الإنسان أثره؟ وحسين الصبّاغ يجيب من خلال حياته وحديثي الدائم معه، "يصنعه بالصبر، وبالقراءة، وبفتح الأبواب، وبالصدق".

هذا عمود يُقرأ كما تُقرأ سِيَر الكبار.. سيرة رجلٍ لم تغادره البحرين، ولم يغادر هو تفاصيلها.