تتطور أساليب غسل الأموال بسرعة نحو مزيد من الاحترافية والتقنية والعولمة، فلم تعد تقتصر على الطرق التقليدية بإنشاء مشروع بسيط ومن ثم تحويل الأموال غير المشروعة إليه وغسلها لتخرج بيضاء من غير سوء، بل إن الوصول إلى سلطة أو رئاسة مؤسسة ولو غير ربحية، يعد أحد أكثر الوسائل المستغلة اليوم في غسل الأموال.

ومع التطور في تلك الجريمة تحولت إلى خدمة «يقدمها» خبراء، وتستغل فيها أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا المالية وثغرات التجارة الدولية، وأخذت أشكالاً أقل صخباً وأكثر انتظاماً، ومن بينها ما يمكن تسميته بـ«غسيل الأموال عبر تقديم الخدمات»، حيث تُدار عمليات تستغل هياكل وعقوداً تبدو نظامية، وتُقدّم تحت عناوين مألوفة مثل الإدارة أو تحسين الأداء أو خدمة المصلحة العامة.

وفي هذا النموذج الاحترافي، لا يعتمد الغسيل على سرقة مباشرة، بل على إعادة تدوير المال عبر شركات جانبية وأذرع تشغيلية، تُسوَّق لبيع الخدمات باعتبارها خدمات مشروعة، بينما تختفي الأموال تدريجياً من أصحابها الحقيقيين في مسارات معقدة يصعب تتبعها أو مساءلتها.

والطريف أن من يقدمون هذه الخدمات يوظفون لذلك خبراء قانونيين وماليين حتى لا يمكن إمساك خيط واحد عليهم، وتكون مهمة الخبراء هؤلاء إيجاد الثغرات القانونية والمحاسبية التي تستطيع أن تخفي الجريمة أو تجعلها موجودة بالفعل ومحسوسة، لأنه لا يوجد نص قانوني يجرمها بسبب ما فعله هؤلاء الخبراء في مساراتها.

هذا النمط لا ينجح بمجهود فردي، بل يحتاج إلى فريق عمل متكامل، يبدأ بمن يقترح، من يمرّر، ومن يبرّر، من يوقّع، ومن يختار الصمت، وعندما تتكامل هذه الأدوار، تتحول الخدمة من منفعة إلى واجهة وغطاء لجرائم تؤذي الناس، ويتحوّل التنظيم إلى تشكيل عصابي ذي واجهة حضارية وقانونية لا يكتشف أصلها أحد.

ولا يتوقف الأمر عند تلك المرحلة، فالإنسان المجرم يطمح دوماً للمزيد ولا يكفيه سرقة واحدة أو مشروع فاسد فردي، بل يتحول هذا التنظيم أو فريق العمل لينشئ شراكات مع مجرمين آخرين، وذلك لأنه مجتمع يلاقي بعضهم بعضا في طريق الجريمة ومحطات الفساد، فتتشابك المصالح وتتوسع مشاريع الأموال القذرة وطرق غسلها.

وأكاد أجزم أن بعضهم يمكن أن ينظم مؤتمرات ويستقطب خبراء جرائم غسل الأموال، كي يبدو أمام المجتمع بأنه مكافح للفساد، بينما يستفيد من خبراتهم والتعرف على أحدث ما توصلوا إليه في كشف جرائمه، ويواصل أعماله باحترافية أكثر، ويسخر الدعاية والإعلام لتلميع صورته بأقصى قدر ممكن.

أخيراً وليس آخراً، فإن المال لا يختفي صدفة، ولا يُستنزف بلا مسار، ولا يُعاد تدويره دون تنسيق بين هؤلاء، وسيظهر هذا التنظيم بصورة زاهية ومبهرة أمام الجميع، لكن الجميع أيضاً يعلم أنهم فاسدون دون أن يستطيعوا إثبات ذلك الفساد.

* قبطان - رئيس تحرير جريدة «ديلي تربيون» الإنجليزية