التعديلات الأخيرة الصارمة على قانون المرور، من تغليظ الغرامات إلى تشديد جزاءات الحبس، خطوة إيجابية ومطلوبة، لحجم الخطر الذي باتت تشكله مظاهر الاستهتار على الطرقات.
وهنا نكرر بأن الإجراءات هذه ليست عقاباً بل هي سعي جاد لحماية الأرواح، ووضع حد للفوضى التي يدفع ثمنها أبرياء لا علاقة لهم بطيش الآخرين.
بعض شوارعنا تحولت للأسف، من مساحات آمنة للتنقل إلى ساحات استعراض مفتوحة، يظن فيها بعض الشباب أن التهور بطولة، وأن كسر القوانين «فتونة»، وأن إخافة الناس إنجاز يُباهي به.
بينما الحقيقة أن هذه السلوكيات لا تعكس شجاعة ولا قوة، بل تكشف عن قلة وعي، وتدنٍ في الفكر، واستهانة خطيرة بالحياة الإنسانية.
الإنسان العاقل السوي لا يقدّم نفسه على أنه فوضوي أو مصدر رعب، ولا يرضى أن تُقابل أفعاله بالدعاء عليه بدل الدعاء له.
لا مجد في أن تكون سبباً في فزع الآخرين، ولا رجولة في أن تقود مركبتك وكأنك في حلبة سباق بينما الطريق يعج بأطفال ونساء ومسنين، لكل منهم حق أصيل في الأمان.
نرى اليوم مشاهد خطيرة تتكرر بلا أدنى إحساس بالمسؤولية، نرى السير عكس الاتجاه، وتحويل التقاطعات والشوارع العامة إلى مسارات تسابق، نرى القيادة بسرعات جنونية في منعطفات وأزقة ضيقة، أو داخل أحياء سكنية قد يفاجئك فيها خروج طفل أو عبور أحد كبار السن.
وكلها أفعال لا تحتاج إلى كثير من التفكير لمعرفة عواقبها، فقد أزهقت بسببها أرواح، وتسببت في إعاقات دائمة، وخلّفت مآسي كان يمكن تجنبها لو وُجد الحد الأدنى من الوعي.
الاستهتار في الطرقات لا يمكن اعتباره حرية شخصية، لأن نتائجه لا تقتصر على صاحبه، بل تمتد لتطال أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا في المكان الخطأ والوقت الخطأ.
من هنا، فإن التوعية وحدها لا تكفي، بل الردع والصرامة هما الأهم، إذ غياب الردع الصارم يشجع على التمادي، ويغري البعض بتكرار الفوضى ظناً منهم أنهم بعيدون عن المحاسبة.
تطبيق القوانين بحزم، ودون استثناء أحد مهما كان، ضرورة قصوى. فالتساهل في هذا الملف يعني التساهل في حماية الأرواح، والنتيجة في كل مرة واحدة، فقدان حياة إنسان، ودمار أسرة، وندم لا يُعيد ما فُقد.
هنا، يُحسب للنيابة العامة تعاملها الحازم مع مثل هذه الوقائع، كما ظهر مؤخراً في إحدى القضايا التي باشرت فيها التحقيق فور تلقي بلاغ عن قيام قائد مركبة بالاستعراض المتهور في أحد التقاطعات الرئيسية، معرّضاً نفسه ومستخدمي الطريق للخطر.
المتهم تم ضبطه، وتمّت مواجهته بالأدلة المصورة، ليُقرّ بما ارتكبه، واتُخذت بحقه إجراءات قانونية صارمة تمهيداً لإحالته للمحاكمة، فالاستعراض في الطرقات جريمة لا تُغتفر.
طرقاتنا ليست ساحة عبث، والقانون ليس حبراً على ورق، وحياة الناس ليست مادة للتجارب أو الاستعراض.