للأوطان نبضٌ يعود إلى بداياته، وصوتٌ ينادي أسماء صنّاع حكاياته، فإذا تجدّد العهد، أشرقت الذاكرة بأمجادها، واستعادت الأرض رواياتها. ومن هذا المعنى العميق، جاء الأمر الملكي السامي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، بأن يحمل هذا العام اسم «عام عيسى الكبير»، في لفتةٍ وفيةٍ تنبض بالعِرفان، وتُجسّد أسمى صور الوفاء لقائدٍ حكيم لم يكن مجرد حاكمٍ في سجل التاريخ، بل كان مؤسِّساً لمرحلةٍ كاملة من الوعي الوطني وبناء الدولة.
أيُّ رجلٍ ذاك الذي امتد حكمه عقوداً، فكان فيها صانعاً للاستقرار في وطنه ومحيطه، وبانياً للمؤسسات، وراعياً لنهضةٍ تتقدم بخطى واثقة؟ أيُّ حكمةٍ تلك التي استطاعت أن تُمسك بزمام الزمن في مرحلةٍ دقيقة، فتوازن بين صون الهوية والانفتاح على العصر؟ ذلك هو صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين وتوابعها، طيب الله ثراه، الذي لم يقُد البحرين بسلطة الحاكم فحسب، بل ببصيرة رجل الدولة، وحنكة القائد، ووعي مؤسس النهضة.
في عهده تشكّلت ملامح الدولة الحديثة، لا بالشعارات بل بالفعل، ولا بالوعود بل بالإنجاز. وُضعت اللبنات الأولى للتعليم النظامي، وأُرسيت دعائم القضاء، وتأسست المجالس البلدية، وامتدت يد التنظيم إلى شؤون المجتمع، وكأن الرجل كان يرى ما لا يُرى، ويقرأ ما سيأتي قبل أن يأتي. فكان عهده صفحةً تاريخية مضيئةً، لاتزال تُضيء حاضرنا بنورها، وسيرةً تختصر معنى القيادة حين تقترن بالحكمة، والسلطة حين تتزين بالعدل.
وما تسمية هذا العام باسمه إلا امتدادٌ لنهجٍ ملكيٍ أصيل، يؤمن بأن الأمم العظيمة لا تنسى رجالها، وأن الوفاء للمؤسسين هو وفاءٌ للوطن. لقد أراد جلالة الملك المعظم، بهذه المبادرة الكريمة، أن يكتب رسالةً بليغةً إلى الأجيال: أن من صنعوا البدايات يستحقون أن يُستحضروا في كل مرحلةٍ جديدة، وأن العرفان ليس مجرد ذكرى، بل قيمةٌ راسخةٌ في ضمير الدولة.
إنها مبادرةٌ تنبض بالمعنى قبل أن تُكتب بالحروف، وتُعبّر عن قيادةٍ تدرك أن الحاضر لا يقف على قدميه إلا إذا استند إلى تاريخٍ راسخ. وهكذا يلتقي الزمنان؛ زمنُ عيسى الكبير الذي وضع الأسس، وعصر الملك حمد بن عيسى الذي يواصل المسيرة، لينير بضوئه دروب أجيالنا القادمة، في مشهدٍ واحدٍ عنوانه: وطنٌ يعرف قدر رجاله، ويصون أسماء من صنعوا مجده، ويمضي بثقةٍ نحو مستقبلٍ يليق بتاريخٍ كُتب بالحكمة والحنكة والبصيرة.
فيصل العلي