لقد مرَّ العالم بتجربة العمل من المنزل خلال انتشار جائحة كورونا (كوفيد19) حيث تمّ توفير البنية التحتية، وأجهزة الحواسيب، والبرامج المناسبة، وجميع الإمكانيات التي تسهّل العمل أو الدراسة من المنزل، كما تمّ تأهيل الموظفين والطلاب وأولياء لهذه التجربة حتى بات العمل أو الدراسة من المنزل أمراً سهلاً ومتاحاً للجميع.
فقد أصبح العمل من المنزل أحد الأساليب الحديثة التي فرضتها التطورات التكنولوجية وتغير أنماط الحياة، وقد ازدادت أهميته بشكل ملحوظ في شهر رمضان. فهذا الشهر يتميز بخصوصية دينية وروحية واجتماعية، تتطلب قدراً من التوازن بين أداء العبادات والالتزامات المهنية. ومن هنا، يُعدّ العمل من المنزل خياراً مناسباً يساعد الأفراد والمؤسسات على تحقيق هذا التوازن بكفاءة ومرونة.
يمنح العمل من المنزل في رمضان الموظفين فرصة أفضل لتنظيم وقتهم بما يتلاءم مع أوقات الصيام والعبادة. فغياب التنقل اليومي إلى مقر العمل يوفر وقتاً وجهداً كبيرين، يمكن استثمارهما في الراحة أو أداء الصلوات أو قراءة القرآن. كما يقلل العمل من المنزل من الإرهاق الجسدي، خاصة في ساعات النهار الطويلة، مما ينعكس إيجاباً على صحة الصائم وقدرته على التركيز والإنتاج.
ومن الجوانب الإيجابية أيضاً أن العمل من المنزل يُتيح للموظف العمل في بيئة مريحة وهادئة، ما يساعده على إنجاز مهامه بكفاءة أعلى. ففي رمضان، قد يعاني البعض من انخفاض الطاقة خلال ساعات الصيام، لذا فإن المرونة في اختيار وقت إنجاز المهام، سواء في الصباح الباكر أو بعد الإفطار، تساهم في تحسين الأداء وتقليل الضغوط النفسية. كما يُسهم ذلك في تعزيز الرضا الوظيفي والشعور بالثقة بين الموظف والمؤسسة.
أما على مستوى المؤسسات، فإن اعتماد العمل من المنزل خلال رمضان يعكس تفهمها لاحتياجات موظفيها واحترامها للخصوصية الدينية. وهذا بدوره يعزز الولاء المؤسسي ويرفع الروح المعنوية للعاملين. إضافة إلى ذلك، يمكن للمؤسسات الاستفادة من هذا النمط من العمل عبر تقليل التكاليف التشغيلية، مثل استهلاك الطاقة والمرافق، دون التأثير على جودة العمل أو الإنتاجية. ومع ذلك، لا يخلو العمل من المنزل في رمضان من بعض التحديات. فقد يواجه بعض الموظفين صعوبة في تنظيم الوقت بين العمل والالتزامات الأسرية، خاصة مع كثرة الأنشطة الاجتماعية في هذا الشهر. كما أن غياب الإشراف المباشر قد يؤدي إلى التراخي لدى البعض، أو إلى ضعف التواصل بين أفراد فريق العمل. لذلك، يتطلب نجاح هذا النمط من العمل وضع ضوابط واضحة، وتحديد أهداف يومية، واستخدام وسائل اتصال فعّالة لضمان استمرارية التنسيق والمتابعة.
يُعد العمل من المنزل في شهر رمضان تجربة إيجابية إذا ما أُحسن تنظيمها وتطبيقها. فهو يحقق التوازن بين متطلبات العمل وخصوصية الشهر الفضيل، ويساعد الأفراد على الجمع بين الإنتاج المهني والالتزام الروحي والاجتماعي. ومع تطور التقنيات الرقمية وتزايد الوعي بأهمية المرونة في بيئة العمل، يمكن أن يصبح العمل من المنزل نموذجاً ناجحاً ومستداماً، خاصة في المواسم التي تتطلب مراعاة ظروف العاملين واحتياجاتهم المختلفة. ودمتم أبناء قومي سالمين.