تابعت مؤخراً فعاليتين مهمتين: دخول شركة الطيران الاقتصادي المالية «طيران آسيا» للبحرين، وإطلاق بورصة البحرين استراتيجية جديدة بالتعاون مع شركة «الرمز» الإماراتية، في مؤشر قوي على انفتاح اقتصادي بحريني أكبر على العالم، وإدراك بأن المؤسسات الوطنية البحرينية يمكن أن تتقدم بسرعة أكبر عبر شراكات دولية.
في الواقع، تُعد فكرة الانكفاء على الذات في العصر الحديث ضرباً من الماضي الذي لم يعد له مكان، إذ لم يعد مجدياً التكتل داخل الحدود تحت أي ذريعة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية.
إن العالم اليوم ليس مجرد مجموعة من الدول، بل هو شبكة معقدة ومتصلة من المصالح؛ ومن يحاول البقاء خارج هذه الشبكة يجد نفسه معزولاً عن التقدّم، فالتطور التكنولوجي والتدفقات المالية العابرة للقارات جعلت من الانفتاح ضرورة للبقاء لا خياراً للرفاهية.
إن مجاراة العالم المتسارع تتطلب بالضرورة الاندماج معه، وليس مجرد مراقبته من بعيد. هذا الاندماج يعني الدخول في شراكات استراتيجية تضع الدولة على خارطة الاستثمار العالمي. وهنا تبرز أهمية فلسفة «فتح النوافذ»؛ فالسماح للهواء المتجدد بالدخول من شأنه أن يطرد الركود ويجدد النشاط داخل الغرفة الاقتصادية الوطنية.
لكن الحكمة تقتضي أن يتم ذلك بذكاء وتوازن، بحيث نضمن تجدد الهواء دون أن يتحول إلى ريح عاتية تزعزع الاستقرار. إن الإبقاء على الأمور «تحت السيطرة» من خلال تشريعات مرنة ورقابة حصيفة هو الضمانة لتحقيق الاستفادة القصوى من العولمة دون الذوبان فيها.
عندما نطبق هذا المفهوم على مملكة البحرين، نجد أن استقطاب الشركات العالمية هو جزء أصيل من هذه الرؤية.
ومن المنطقي أن ندرك أن هذه الشركات، حين تحط رحالها في المنامة، تطالب بامتيازات وتسهيلات؛ فهي في نهاية المطاف ليست مؤسسات خيرية، بل كيانات تبحث عن الربح والنمو. وهنا يأتي دور المفاوض البحريني الذكي الذي يوازن بين جذب هذه الاستثمارات وبين المصلحة الوطنية العليا.
قد يتخوف البعض من تأثر بعض المؤسسات المحلية الصغيرة نتيجة هذه المنافسة، وهنا تبرز حقيقة اقتصادية هامة: «ربما تضرر مؤسسة لكن يستفيد بلد».
فالانفتاح قد يضغط على الكيانات التي لا تطور نفسها، لكنه في المقابل يرفع من كفاءة السوق الكلية، وينقل المعرفة (Know-how)، ويخلق آلاف الفرص الوظيفية النوعية، ويدفع عجلة الابتكار.
إن حضور كيانات مثل طيران آسيا (AirAsia X) واتفاقيات نوعية مثل شراكة بورصة البحرين مع شركة «الرمز» (Al Ramz) هي نماذج حية لهذا الانفتاح. هي نوافذ فُتحت لتدفع بالسيولة وتنعش قطاع الخدمات والسياحة، مؤكدة أن قوة البحرين تكمن في قدرتها على أن تكون نقطة التقاء عالمية، حيث الهواء المتجدد يبني اقتصاداً قادراً على المنافسة في الغد.