تُعد موائد الرحمن من أبرز مظاهر التكافل الاجتماعي في شهر رمضان، إذ تهدف في أصلها إلى إطعام الصائمين ومساعدة المحتاجين، وتجسيد معاني الرحمة والتراحم بين أفراد المجتمع. وعموماً فتقديم وجبة الإفطار للصائم تعتبر من السنن المستحبة، وهي العبادات المالية، فهي نوع من أنواع الصدقات، فالناس يتسابقون لتقديم وجبات إفطار للصائمين بصور مختلفة فمثلاً البعض يقدم مواد غذائية استهلاكية للأسر المحتاجة والبعض يساهم في موائد الرحمن، وهي وجبة الفطور جماعية عادةً ما تفرد هذه الموائد في ساحات المساجد، ويتشارك المتصدقون في توفير هذه الوجبات طلباً للثواب، غير أن الواقع في كثير من الأحيان يكشف عن فجوة بين الهدف النبيل لهذه الموائد وبين المستفيدين الفعليين منها.

ويقصد بموائد الرحمن هو إفطار جماعي يتشارك فيه الصائمون خاصة المحتاجين في تناول وجبات الإفطار، وعادةً ما تقدم هذه المائد في ساحات المساجد، والهدف من هذه الموائد توفير وجبات الإفطار للمحتاجين بحيث تكون الوجبة صحية، بالإضافة لتوفير الجو الاجتماعي أثناء الإفطار، فالبعض قد لا ينقصه الطعام، ولكن ينقصه الجو الاجتماعي، حيث يعيش بمفرده ويتناول الإفطار وحيداً لظروفه الاجتماعية كالأرامل أو الأيتام أو العزاب من نساء أو رجال، أو غيرها، فالإنسان بطبيعته يفضل تناول الوجبات جماعياً.

ومن يتجول بين موائد الرحمن في البحرين يلاحظ أن غالبية الحضور في الغالب من فئة العمال الآسيويين، بينما يغيب عنها كثير من المواطنين والمواطنات من ذوي الدخل المحدود، أو ممن يعيشون منفردين دون أسر لأي ظرف اجتماعي كان، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، من بينها أن طريقة تقديم هذه الوجبات لا تتناسب والسلوك الاجتماعي للمواطنين والمواطنات فغالبية المواطنين تعودوا على تناول الوجبات على مائدة وليس على سفر تفرد على الأرض، كما أن طريقة التقديم ونوع الوجبات لا تتناسب وعادات المواطنين والمواطنات، ومن هذه الأسباب، موقع هذه الموائد في أماكن عمل العمال أو الشوارع التجارية، إضافة إلى حرج بعض المواطنين والمواطنات من الجلوس على موائد عامة خوفاً من نظرة المجتمع.

نعم أن إطعام العمال عمل إنساني محمود يؤجر عليه صاحبه، فهؤلاء يعانون من الغربة ومن محدودية الدخل ويبذلون جهداً كبيراً ويستحقون الدعم والاحترام. لكن الإشكالية تكمن في غياب التوازن، حيث تُهمل أسر محتاجة داخل الأحياء السكنية لا تصل إليها هذه الموائد، ولا تستفيد من خيراتها.

إن روح رمضان تدعونا إلى البحث عن الأشد حاجة، وإيصال الخير إلى من لا يستطيع الوصول إليه بنفسه. ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في تنظيم موائد الرحمن، سواء من خلال توزيع وجبات على المنازل المحتاجة، أو إقامة موائد داخل الأحياء السكنية، أو في مطاعم تنسق طاولات مشتركة أو بوفيهات مشتركة بحيث يكون الجو مناسبا لمشاركة المواطنين والمواطنات في هذه الموائد. ويمكن ان تذاع خلالها الموشحات الدينية أو الأدعية الرمضانية لإعطاء جو من الحيوية والسعادة.

نعم.. موائد الرحمن ليست مجرد طعام يقدم، بل رسالة إنسانية واجتماعية. وكلما اقتربت هذه الموائد من تحقيق مقصدها الحقيقي، زادت بركتها، وامتد أثرها الإيجابي في المجتمع، ليبقى رمضان شهر الرحمة لا المظاهر.