حين ندعو إلى أخذ المشروع التالي «تحطيم جدران العزل» إلى مستوى شمولي أوسع يتجاوز مبادراتنا السابقة، فلابد من تقييم تلك المبادرات، حتى نعرف مساحة الإطار الأشمل الذي نسعى له.

فيما يخص الهوية الوطنية الجامعة وهي الأقدر على تحطيم جدران العزل بين الجماعات، فإننا لم نأخذ موضوع ترسيخ الهوية البحرينية بجدية وعمق، واقتصرت مبادراتنا على الجانب الشكلي والاحتفالي، وحصرها في إحياء الفلكلوري التراثي فحسب، ولم نعمل على تعزيز وتقوية «الوعاء» الذي تجتمع فيه الهويات المتنوعة طواعية، إذ إن لكل دولة ذات تعددية قواسم مشتركة تجتمع حولها، كالبيعة للقيادة الموحدة للدولة ودستورها، بل إننا لم نحفظ حتى للرمزيات الوطنية اعتبارها، فما وضعت تلك الرمزيات إلا للحاجة إليها، وذلك لالتفاف التنوعات حولها، وللتأكيد على ما يجمع التنوعات من قواسم، فحمل الجنسية وحمل العلم والاحتفالات الوطنية وغيرها هي ليست لتجديد البيعة للقيادة فحسب، بل هي تجديد وتعزيز لما يجمعنا من قواسم كجماعات على هذه الأرض، الاحتفاء بها ووضعها موضع الاحترام والتقدير هي من مظاهر ارتباط الفرد بالدولة كلها تحتاج إلى ترسيخ وتعزيز بالقوانين وبالإجماع، فالالتفاف حولها جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية.

ويؤسفنا أننا في البحرين نملك واقعاً في بعض المناطق به الكثير من العوازل بين قاطنيها وبين تلك القواسم، وسواء كانت تلك العوازل بفعل فاعل عمل على بنائها التيار سيئ الذكر تيار الولي الفقيه، أو أن للدولة دوراً في إهمال تلك المهمة والمسؤولية وتكاسلنا كمجتمع وعدم اهتمامنا بإحياء الجوامع المشتركة في جميع مناطق البحرين.

بعيداً عن البُعد الديني أي المذهب كتنوع واختلاف كم لدينا من قواسم وجوامع وأرضيات مشتركة ونقطة تجمع تجمعنا، لم نفعلها، وكنا فوق ذلك كله نلامس سطح الأزمة فقط نخشى الغوص تحت العوازل، وكنا نكتفي بالجسور الهشة التي نبنيها في المناسبات الوطنية، والتي تتحطم في العديد من المناطق في المناسبات الدينية التي لا تنتهي على مدار السنة.

اكتفينا بمبادرات حكومية حسنة النية، واعتقدنا أنها قادرة على التصدي لخطاب العزل الذي كان يبني جدارنا بين المواطن والدولة، ويزيده سمكاً كل عام، ومهما فعلت الدولة لإقناع أبناء تلك المناطق بحسن نواياها، كالكوتا في التعيينات الحكومية التي قسمتها شيعية سنية، إلا أنها فشلت في تحطيم العوازل المتينة التي بنيت على مدى عقود، فوجدنا أن الانتماء والولاء لذلك التيار غلب حسن النوايا، وأبقى على جدار العزل، وأغلق الباب على الدولة، وفتح أبواباً على الجانب الإيراني، مرجعيات ووكلاء وسياحة وتمويل وكفالة لمن يمعن في بناء الجدران، ويعلن خصومته للدولة.

لا بالمحاصصة نحل تلك الأزمة، أي بواحد من هذه الطائفة وواحد من تلك الطائفة في التعيينات، نظام المحاصصة لم ينجح يوماً في زرع المواطنة الصالحة جربته لبنان، وفشل فلا نعيد اختراع العجلة من جديد، ولا بالتقارب الموسمي ولا بالاحتفالات تلك أدوات هامشية.

كيف يمكن اختراق هذا الفكر بتلك المبادرات التي تجنبت محاورته، تجنبت تفكيكه، تجنبت مواجهته بالمنطق، بالعقل، من بعد ما تركته الدولة ليبيض ويفرخ مرشدين وقياديين ميدانيين.

أمام الدولة الآن فرصة بعد أن أزحنا مقاولي البناء الذين كانوا يبنون الجدار تلو الآخر، أمامنا الفتية الذين شاهدناهم في مقاطع الفيديو، وهم يمارسون الحياة بشكلها الطبيعي، هم الآن الفئة المستهدفة التي لابد أن تعمل الدولة من اليوم على استقطابها، وتحمل مسؤولية إعادة ترتيب بيئتها السكنية، والمدرسية، بناء فكري منهجي يمنح البديل الذي يشكل المظلة الحامية، احتراماً للمذهب واحتراماً للدولة واحتراماً لبقية المجموعات، فلا تسمح الدولة بوجود كانتونات سكنية مغلقة، تخطيطياً، ومنغلقة اجتماعياً.

بيئة ما بعد المدرسة لا تترك للاجتهادات تتخبطها، بل لها برامج تجذبها تحفظ لها خصوصيتها التي لا تتعارض مع الدولة وأمنها وقوانينها، فلا تترك لمجلس علمائي جديد يبدأ ببناء دولة جديدة داخل الدولة على أنقاض ذلك المجلس، على الدولة أن تمنح نفسها حق الدخول لتلك المناطق ليكون لها حضور تشريعي وإجرائي وبرامجي تستقطب تلك الأجيال تهدم تلك الجدران، وتدمج الهويات الخاصة بين المناطق بما هو متاح لها من أدوات.

ولديها كل الإمكانيات التي كانت معطلة لديها منشآتها كمراكز التنمية وكالأندية وكالساحات العامة، لديها المحافظات كسلطة ولديها ساحات المدارس الحكومية، وكلها أملاك للدولة، إنما لم توظف التوظيف الصحيح كي تخلق بحرينيين كاملي الدسم البحريني بلا انتماءات خارجية تتصارع ولاءاتها مع ولاءات الدولة، لو توظف لتعزيز وتقوية العلاقة الاجتماعية السلسة والجميلة والعفوية بين المجموعات كما كان الأصل، ولم تعمل على ربط الإنسان بقواسمه المشتركة ورمزيتها، هذا ولم نتحدث بعد عن المؤسسات الأهلية التي غفت أكثر من غفوة الدولة.

هذا هو أساس المشروع التالي إن أردنا تحطيم جدران العزل وبناء الجسور بين البحرينيين بعضهم البعض وبينهم وبين الدولة، والباب مفتوح لمزيد من الأفكار والمبادرات والبرامج إنما خارج إطار السطحية السابقة.