ما حدث بالأمس استهداف إيراني سافر لدول الخليج العربي، طال مناطق سكنية بصورة متعمدة، في نوايا لا يمكن تفسيرها إلا بمحاولة بث الرعب وقتل الأبرياء.

وبغض النظر عن المواجهات المحتدمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإن ما لا يمكن قبوله أو تبريره هو أن تمتد نيران ذلك الصراع إلى دول الخليج العربي، التي سعت خلال الشهور الماضية بكل ما أوتيت من حكمة ومسؤولية إلى تجنيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة.

حتى لحظة كتابة هذه السطور، انطلقت صافرات الإنذار في البحرين عدة مرات. واستُهدفت مبانٍ ومواقع بطائرات مسيّرة وصواريخ، وأسفرت تلك الاعتداءات، للأسف، عن أضرار لا مفر منها.

ومع ذلك، كان تعامل الأجهزة المعنية في بلادنا في الداخلية والدفاع والأمن الوطني وغيرها من الأجهزة، على أعلى درجات الجاهزية والكفاءة، واضعةً نصب أعينها الهدف الأسمى وهو حماية المواطنين والمقيمين وصون الأرواح والممتلكات.

ثقتنا كبيرة في قدرات دولتنا، في منظوماتها الدفاعية، وفي تحالفها الوثيق والقوي مع أشقائها في دول الخليج العربي، للحفاظ على أوطاننا ودرء الأخطار المحدقة بنا. كما نعوّل على وعي المواطنين والمقيمين، وحرصهم على الالتزام بالتعليمات واتباع إجراءات السلامة، فالوطن مسؤولية الجميع.

لكن، وفي خضم هذه اللحظات العصيبة، طفت إلى السطح مشاهد ومقاطع مؤلمة بثّتها بعض الحسابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، جعلتنا نشعر بالاشمئزاز حقًا. أشخاص بكل بجاحة وانحطاط يهللون لاستهداف بلدهم! نعم، يفرحون لأن الصواريخ تسقط على أرضهم، ويطالبون الناس بأن «يستمتعوا» بالمشهد!

أي انحطاط أخلاقي هذا؟! وأي سقوط أبلغ من أن يصفق المرء لقصف وطنه؟! ثم يخرج علينا هؤلاء أنفسهم ليدّعوا زورًا أنهم وطنيون، وأنهم يحبون هذه الأرض، ويغضبون إذا وُصفوا بالعمالة أو الارتهان للخارج!

الحقيقة أن الوطنية ليست ادعاءً يُكتب ويُقال، بل موقف يُثبت عند الشدائد. ومن يهلل لعدو يقصف بلاده، فقد أسقط عن نفسه كل أقنعة الزيف، وكشف أنه لا يعدو كونه طابورًا خامسًا، وأداةً رخيصة في يد من يستهدف أمن وطنه واستقراره.

اللحظات الصعبة هي الامتحان الحقيقي. هي التي تُظهر معادن الرجال، وتفضح وجوه الغدر. وما أقبح الغدر حين يكون موجّهًا إلى الوطن! أن تقبل بأن تُقصف أرضك، وأن تُستهدف بيوت أهلك، وأن تسقط الصواريخ فوق رؤوس الأبرياء، ثم تجد في ذلك مدعاةً للشماتة أو الفرح، هذا سقوط مدوٍّ في هاوية الخيانة الأخلاقية والوطنية.

حماية الجبهة الداخلية لا تقل أهمية عن التصدي للصواريخ في السماء. ومن هنا، فإن مسؤولية وزارة الداخلية والأجهزة المعنية أن تتخذ الإجراءات القانونية الحازمة بحق كل من يثبت تورطه في التحريض أو التهليل لاعتداء يستهدف أمن البلاد وسلامة أهلها. فحرية التعبير لا يمكن أن تكون غطاءً للتشفي بوطنٍ تحت القصف، ولا منصةً لبث الفرقة وتبرير العدوان.

لا يعنيني هنا الخوض في تفاصيل السجال السياسي والعسكري بين إيران وأمريكا وإسرائيل. ما يعنيني هو البحرين بلادي. يعنيني أن تبقى آمنة، مصونة، عصية على كل من يحاول النيل منها. يعنيني أن تُحمى هي وشقيقاتها دول الخليج العربي من أي استهداف، وألا يمسها أذى لا من الخارج ولا من الداخل.

أما أولئك الذين يهللون لعدو يقصفنا، فليتخيلوا ولو للحظة أن شظايا ذلك العدوان طالت بيوتهم وأبناءهم وأحبابهم. هل سيستمرون في التصفيق؟! هل سيستمرون بالانبطاح لجهة تستهدفنا بصواريخها وعدوانها؟!

البحرين أولًا وأخيرًا. ولا نامت أعين الجبناء.