دول الخليج العربي تجد نفسها اليوم في قلب دائرة التصعيد، رغم أنها حاولت مراراً، عبر قنوات دبلوماسية متعددة، تجنيب المنطقة ما يحدث حالياً، ومنع أي مواجهات مفتوحة بين أطراف يفترض أن تجمعها طاولات الحوار لا ساحات الحرب، على أقل تقدير بحكم ما يجمعها من دين وروابط جوار.

إدراك دول الخليج العربي كان قائماً على قناعة مفادها أن الحروب في الإقليم لا تُفرز منتصرين حقيقيين، بل تُخلّف أعباءً اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد، يتحمّلها المواطن قبل صانع القرار.

وللأسف، فإن استمرار خطاب التهديد الصادر عن بعض المسؤولين الإيرانيين، حتى في ظل تغيرات محتملة في قمة السلطة، يعكس إصراراً على منطق التصعيد بدلاً من المراجعة.

الحديث عن استهداف «الوجود الأمريكي» في المنطقة يترافق عملياً مع واقع جغرافي يجعل دول الخليج في مرمى التداعيات.

وهنا تبرز إشكالية أخلاقية وسياسية؛ إذ إن نتائج أي تصعيد لا تتوقف عند الحسابات الاستراتيجية، بل تمتد إلى المدنيين الذين لا علاقة لهم بمراكز القرار.

منطق المسافات والقواعد العسكرية قد يبدو حتمياً حسابياً، لكنه لا يختزل كلفة الخسائر البشرية ولا أثرها العميق في وعي المجتمعات.

مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، علي خامنئي، يُفترض أنه مؤشر على بداية مرحلة يُعاد فيها تشكيل معادلات القوة والنفوذ في المنطقة، وذلك بعد أن يتوقف ما يجري اليوم عسكرياً، أو لنقل حرباً تُدار عبر الأجواء.

برحيل الخامنئي، ستكون إيران أمام اختبار سياسي بالغ الحساسية. فالنظام منذ تأسيسه ارتكز على مركزية موقع «المرشد» بوصفه محور التوازن بين المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية.

وعليه، فإن غياب هذه الشخصية لا يعني فقط انتقالاً إدارياً، بل احتمال إعادة ترتيب لموازين النفوذ داخل بنية الحكم نفسها، في ظل تباينات قد تظهر بين مراكز القوى المختلفة.

على الصعيد الداخلي، تعيش إيران أوضاعاً اقتصادية صعبة نتيجة تراكم العقوبات والضغوط المعيشية.

هذا الواقع يطرح تساؤلات حول الاتجاه الذي ستسلكه المرحلة المقبلة، هل ستكون مناسبة لمراجعة الأولويات وتعزيز الاستقرار الداخلي وتحسين العلاقات الإقليمية؟! أم أنها ستشهد استمرار النهج السابق بأدوات جديدة؟! الإجابة ستتحدد بمدى قدرة القيادة القادمة على قراءة التحولات المجتمعية والاستجابة لتطلعات المواطنين.

هاجس الأمن لا ينفصل عن أمن الإنسان ذاته. فقد أثبتت التجارب أن المشاريع التي تتجاوز سيادة الدول أو تسعى إلى فرض نفوذ خارج حدودها تؤدي غالباً إلى مزيد من التوتر، لا إلى استقرار دائم.

إذ بناء منظومة إقليمية متوازنة يتطلب احتراماً متبادلاً، والتزاماً واضحاً بعدم التدخل، وإعلاءً لمبدأ حسن الجوار كقاعدة للعلاقات.

رغم خطورة المرحلة، فإنها قد تحمل في طياتها فرصة لإعادة النظر في مسار الصراعات الممتدة. شعوب المنطقة، سواء في إيران أو في دول الخليج، تتطلع إلى بيئة آمنة تسمح بالتنمية والازدهار بدلاً من الاستنزاف المتكرر. فالتحول الحقيقي لا يُقاس بتغير الأشخاص بقدر ما يُقاس بتبدل السياسات والنهج.

ما سيحدث داخل إيران لن يظل شأناً داخلياً بحتاً، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على محيطها. والتحدي الأكبر أمام الفاعلين الإقليميين يتمثل في استثمار اللحظة الراهنة لصياغة معادلة جديدة تقوم على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة، بدل استمرار منطق المواجهة المفتوحة، على أمل أن ينتهي العبث بأمن المنطقة سريعاً، وأن يتوقف ما تبقى من النظام الإيراني عن استهداف جيرانه.