تُعدّ البنية التحتية الرقمية في مملكة البحرين اليوم إحدى الركائز الأساسية لقدرة الدولة على الاستجابة للظروف الطارئة وضمان استمرارية الخدمات الحيوية دون انقطاع. فقد شهدت المملكة خلال السنوات الماضية استثمارات متسارعة في شبكات الاتصالات، والألياف البصرية، ومراكز البيانات، إضافة إلى الاعتماد المتنامي على البنية التحتية السحابية بشكل عام لتعزيز المرونة التشغيلية وسرعة التوسع عند الحاجة. ويعكس الانتشار شبه الكامل للإنترنت -حيث تقارب نسبة الاستخدام 99% من السكان- مستوى الاعتماد العالي على الخدمات الرقمية في الحياة اليومية والقطاعين الحكومي والخاص، ما يجعل الجاهزية الرقمية عنصرًا استراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه.
غير أن قوة البنية الرقمية لا تكتمل دون منظومة أمن سيبراني متقدمة تحمي التعاملات الإلكترونية والبيانات الحساسة. وتشير البيانات إلى أن قطاع الأمن السيبراني في البحرين يشهد نموًا واضحًا من حيث الاستثمار والتبني المؤسسي، حيث يُقدَّر حجم سوق الأمن السيبراني بنحو 424.96 مليون دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 559.90 مليون دولار بحلول عام 2030 هذا النمو يعكس زيادة الطلب على حلول حماية الشبكات، وأمن البيانات، وأنظمة كشف التهديدات، وتعزيز قدرات الاستجابة للحوادث في بيئات الأعمال المتغيرة.
يقود هذه الجهود المركز الوطني للأمن السيبراني «NCSC» من خلال الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني 2025–2028، التي تركز على تعزيز الحماية للبنية الرقمية الوطنية، تطوير الكفاءات الوطنية، ورفع مستوى الامتثال الأمني في الجهات الحيوية، إضافة إلى تعزيز التعاون الوطني والدولي في تبادل معلومات التهديدات وتحسين إدارة الاستجابة لها. ترتكز هذه الاستراتيجية على مفاهيم الاستباقية في مواجهة المخاطر، مما يدعم قدرة الدولة على التعامل مع الحوادث المعقدة بكفاءة عالية.
يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً متزايد الأهمية في المشهد الرقمي البحريني العام، ليس فقط على صعيد الأمن السيبراني، وإنما في دعم التحول الرقمي الشامل وتقديم الخدمات الحكومية بشكل أكثر فعالية وكفاءة. فقد تم وضع الذكاء الاصطناعي في صميم أولويات التنمية والتطوير في البحرين، حيث يستخدم الذكاء الاصطناعي لتبسيط الإجراءات الحكومية، تحسين تجربة المتعاملين، وأتمتة العمليات الروتينية في مجالات مثل الخدمات الإلكترونية، وإدارة البيانات، والتنبؤ بالطلب على الخدمات.
أما على مستوى القطاع الخاص، فتواصل مجموعة Beyon تعزيز وجودها الإقليمي من خلال مشاريع بنية تحتية استراتيجية. فقد أعلنت الشركة اختيارها كمستثمر فائز في مشروع تطوير شبكة الاتصالات الثابتة في دولة الكويت ضمن اتفاقية شراكة تمتد لـ50 عاماً باستثمار يتجاوز 2.8 مليار دولار، لإنشاء شبكة ألياف بصرية عالية السرعة، مما يعكس الخبرة المتراكمة للمجموعة، لا سيما وأن تغطية الألياف في مملكة البحرين تصل إلى 95.4%. هذا الإنجاز يعكس نضج قطاع الاتصالات البحريني وقدرته على تصدير الخبرات التقنية والبنية الأساسية إلى الأسواق الإقليمية.
بصورة عامة، يمكن القول إن البحرين تبنت نموذجًا متكاملًا يجمع بين بنية تحتية رقمية قوية، ونمو متسارع في سوق الأمن السيبراني، وأطر تنظيمية فعالة، واستثمار في التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، مع تعاون وثيق بين القطاعين العام والخاص. هذه العوامل مجتمعة تعزز جاهزية المملكة لمواجهة التحديات الرقمية في الظروف الطارئة، وتحمي تعاملاتها الإلكترونية، وتدعم مكانتها كمركز رقمي موثوق في المنطقة.