د. سهير بنت سند المهندي

إن محاولات إيران في جعل أوطان الآخرين ساحة لمعركتها الخاصة وتوسيع دائرة صراعها لدفع منطقة الخليج العربي إلى قلب مواجهة تخدم حساباتها في صراعها مع الولايات المتحدة، تقف دول الخليج العربي أمام لحظة تاريخية فارقة، تدرك فيها القيادات والشعوب معاً أن أمن هذه المنطقة ليس ورقة تفاوض في صراعات إقليمية، ولا ميداناً لتصفية الحسابات الدولية، بل هو خط أحمر تحرسه إرادة سياسية راسخة ووعي شعبي يدرك أن الاستقرار الذي بُني عبر عقود لا يمكن أن يُترك رهينة لمغامرات عسكرية عابرة.

إن محاولة جرّ الخليج العربي إلى أتون حرب إقليمية مشروع سياسي يسعى إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة على حساب أمن شعوبها واستقرار دولها، فإيران حين تدفع بالأحداث نحو التصعيد، إنما تراهن على أن تتحول هذه الجغرافيا الحيوية إلى ساحة ضغط في معركتها مع واشنطن، غير أن القيادات الخليجية تدرك بوعيٍ عميق أن استقرار المنطقة ليس تفصيلاً في لعبة الأمم، بل أساس وجودها السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وفي قلب هذا المشهد تبدو مملكة البحرين مثالاً للدولة التي تقرأ التحولات بعين اليقظة والمسؤولية، فالدولة التي عرفت عبر تاريخها كيف تحافظ على توازنها وسط العواصف الإقليمية، شرعت اليوم في تفعيل منظومة متكاملة من الجاهزية الوطنية، تمتد من إدارة الأزمات والتخطيط الاستراتيجي إلى الإجراءات الأمنية والاحترازية والتقنية، إنها حركة دولة تعمل على مدار الساعة، تقودها مؤسسات متماسكة تتابع أدق التفاصيل بروح الفريق الواحد (فريق البحرين)، في ظل توجيهات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وبمتابعة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، الذي جعل من استقرار البحرين أولوية دائمة تقوم على الحكمة السياسية والقدرة على استشراف المخاطر قبل وقوعها.

غير أن ما يلفت الانتباه في مثل هذه اللحظات التاريخية ليس فقط ما تقوم به مؤسسات الدولة، بل ما يكشفه المجتمع من مواقف تعكس جوهر الانتماء الحقيقي للوطن، فقد برزت في هذه الأيام مشاهد مشرقة من التلاحم الشعبي، حين سارع المواطنون إلى تسجيل أسمائهم في المبادرات التطوعية لخدمة الوطن والمساهمة في حماية المجتمع ومساندة الجهود الوطنية، ولم تمضِ ساعات حتى ارتفعت أعداد المتطوعين بشكل لافت، في مشهد يؤكد أن العلاقة بين القيادة والشعب في البحرين ليست علاقة إدارية عابرة، بل عقد وطني متين يتجدد كلما دعت الحاجة.

ومع ذلك، فإن الأزمات الكبرى تكشف أيضاً عن ظواهر غريبة لا تعبر عن الضمير الوطني العام، فقد ظهرت فئة محدودة حاولت أن تبدي الفرح أو التهليل لأي استهداف أو تصعيد تمارسه إيران في محيط المنطقة، في مشهد يثير تساؤلات عميقة حول معنى المواطنة وحقيقة الانتماء، فالوطن ليس مجرد وثيقة رسمية أو جواز سفر، بل شعور عميق بالمسؤولية تجاه الأرض التي ينتمي إليها الإنسان، وولاء صادق لأمنها واستقرارها، ومن المؤلم أن يصدر مثل هذا السلوك من أفراد يحملون جنسية هذا الوطن ويتمتعون بخيراته، بينما يقفون موقفاً يتناقض مع أبسط معاني الوفاء والانتماء.

غير أن هذه المظاهر، على محدوديتها، لا يمكن أن تحجب الصورة الكبرى التي يمثلها المجتمع البحريني في لحظات التحدي، فالغالبية الساحقة من أبناء البحرين تقف اليوم في صفٍ واحد خلف قيادتها، مدركة أن استقرار الوطن مسؤولية مشتركة لا تقبل المساومة، وفي ظل هذه الظروف الحساسة، يدرك الجميع أن وحدة الصف الوطني ليست مجرد شعار سياسي، بل هي الدرع الحقيقي الذي يحمي الأوطان عندما تعصف بها الأزمات.

صحيح أن القلق يطرق أبواب الناس في مثل هذه اللحظات، فالمنطقة تمر بمرحلة توتر غير مسبوقة، لكن الطمأنينة تنبع من رؤية دولة يقظة تعمل بكفاءة، وشعب واعٍ يدرك قيمة وطنه، ويقف خلف قيادته بثقة، فالأوطان لا تُحمى فقط بالقوة العسكرية، بل بالإيمان العميق بأن هذا الوطن يستحق أن يُصان، وأن استقراره مسؤولية الجميع.

وفي نهاية المطاف، قد تمر الحروب، وتخبو أصوات المدافع، لكن ما يبقى هو تلك اللحظات التي يتجلى فيها معدن الشعوب الحقيقي، وفي البحرين، يبدو المشهد واضحاً: قيادة تعمل بحكمة، وشعب يقف بثبات، وإيمان عميق بأن الله سبحانه وتعالى هو الحافظ الكريم، وفي ظل هذه الروح الوطنية المتماسكة، يبقى الأمل قائماً بأن تنقشع هذه الغمامة، وتعود المنطقة إلى ما كانت عليه أرضاً للأمن والاستقرار والسلام.