في الظروف الطارئة من الأزمات أو الكوارث يُعدّ الوعي المجتمعي ركيزة أساسية في نجاح وفاعلية منظومة إدارة الأزمة أو الكارثة، بل يشكّل درعاً واقياً للمجتمع والوطن. فالاستجابة المجتمعية الواعية لا تقل أهمية عن الإجراءات الأمنية أو التدابير المؤسسية، إذ يسهم التزام الأفراد بالتعليمات والإرشادات في الحدّ من تداعيات الأزمات وتسريع تجاوزها بأقل الخسائر الممكنة.

واليوم، تحت وقع الهجمات الصاروخية الإيرانية التي تعرضت لها مملكة البحرين ودول الخليج وبعض الدول العربية منذ مطلع هذا الشهر، أظهرت البحرين نموذجاً مميّزاً في تفعيل عنصر الوعي المجتمعي وتعزيزه والالتزام به، الأمر الذي عكس درجة عالية من النضج المجتمعي والتكامل بين مؤسسات الدولة والمجتمع في التعامل مع الظروف الاستثنائية.

ويتجلّى تميّز نموذج مملكة البحرين في إدارة الأزمات من خلال تكامل مقومات الوعي المجتمعي مع آليات تفعيلها عَمَلِياً، وذلك على مستويين متلازمين: مستوى الجاهزية المؤسسية المسبقة، ومستوى تفعيل استراتيجية إدارة الأزمة بمهنية عالية.

فعلى صعيد الجاهزية، عملت المملكة على بناء منظومة متكاملة لإدارة الطوارئ تقوم على التنسيق بين الأجهزة الأمنية والمدنية والمؤسسات الخدمية، مدعومة بخطط واستراتيجيات وطنية واضحة وبرامج تدريب وتمارين محاكاة تعزّز الاستعداد المؤسسي والمجتمعي لمواجهة مختلف التحديات.

أما على مستوى إدارة الأزمة الراهنة، فقد برز دور منظومة الاتصال والتواصل من خلال البيانات الرسمية المنتظمة وتوظيف المنصات الرقمية والإعلام الوطني في إيصال المعلومات الدقيقة وتعزيز الثقة بالمصادر الموثوقة، إلى جانب استخدام وسائل حديثة مثل الإشعارات الفورية والتنبيهات المباشرة لإطلاع المجتمع على المستجدات وتعزيز سرعة الاستجابة.

وفي الوقت نفسه، اضطلعت وسائل الإعلام الوطنية بدور توعوي مهم في تكريس ثقافة الحيطة والحذر وتوجيه المجتمع نحو السلوكيات المسؤولة، الأمر الذي انعكس في ارتفاع مستوى الالتزام الشعبي بالتعليمات الرسمية، وترسّخ روح المسؤولية المجتمعية في تجنب الشائعات، والتفاعل الإيجابي مع الرسائل التوعوية، فضلاً عن تكاتف المجتمع ومؤسساته في دعم الجهود الوطنية للحفاظ على الاستقرار والأمن المجتمعي.

وقد بَرز كذلك، ما يمكن وصفه بالوعي المجتمعي الفطري في المجتمع البحريني، وهو وعي نابع من شعور عميق بالانتماء للوطن لدى المواطنين والمقيمين والزائرين، وتجلّى ذلك في صور متعددة من التضامن والاستجابة التّلقائية عبر المبادرات المجتمعية ومنصات التواصل الاجتماعي، بما يعزز تماسك النسيج المجتمعي خلال هذه الأزمة.

ومع ذلك، فإن ظهور بعض السلوكيات غير المسؤولة يظل أمراً استثنائياً ومحدوداً، لا يُقاس عليه، كما هو الشأن في مختلف المجتمعات، إذ لا يعكس مستوى الوعي العام أو السلوك الغالب لدى المجتمع الذي يظل ملتزماً بالقيم الوطنية وروح المسؤولية الجماعية.

وفي المقابل، تؤكد التجارب الدولية بصفة عامة وتجارب بعض دول المنطقة تحديداً، أن غياب الوعي المجتمعي خلال الأزمات قد يؤدي إلى انتشار الذعر وتضخّم الشائعات، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما قد يربك جهود المؤسسات الرسمية ويضعف الثقة بالمصادر الموثوقة. وفي هذا السياق يشير مفهوم «الفوضى» (Chaos) في إدارة الأزمات إلى الحالة التي يفقد فيها النظام الاجتماعي قدرته على التنظيم والاستجابة المنضبطة نتيجة تضارب المعلومات أو تصاعد القلق المجتمعي، حيث قد تتحول الأزمة ذاتها إلى مصدر اضطراب اجتماعي أوسع. ومن هنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي كعامل حاسم في الحفاظ على استقرار المجتمع وأمنه وضمان فاعلية التعامل مع للأزمات وتخطِّها، بما يرسخ التماسك الوطني ويعزز القدرة على مواجهة التحديات. لقد أثبت نموذج مملكة البحرين على أن الوعي المجتمعي يمثل أحد المرتكزات الأساسية في إدارة الأزمات وتعزيز الاستقرار الوطني، من خلال التكامل بين الجاهزية المؤسسية والتواصل الفعّال مع المجتمع وتوظيف أدوات التّوعية الحديثة. ويؤكد هذا النموذج أن نجاح إدارة الأزمات لا يرتبط فقط بكفاءة المؤسسات، بل يعتمد أيضاً على نضج الوعي الجماعي وروح المسؤولية المجتمعية.