لم يعد السؤال اليوم إن كانت إيران قادرة على تهديد جيرانها، بل إلى متى تستطيع الاستمرار في هذا النهج وهي تفقد تباعاً أدوات القوة التي اعتمدت عليها لسنوات طويلة. فالمشهد في المنطقة يشير بوضوح إلى أن ما يجري ليس سوى فصل أخير في مسارٍ استنزف قدرات هذا النظام وأضعف حضوره الإقليمي.
وفي خضم هذه التطورات خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليقول: «أعتذر لدول الجوار، فلا عداوة بيننا وبين دول المنطقة»، وكأن هذه الكلمات قادرة على تبديد القلق أو محو ذاكرة الشعوب التي كانت تسمع في اللحظة نفسها دوي صفارات الإنذار في البحرين وعدد من دول الخليج.
ولئن عايشنا جميعاً أياماً عصيبة بسبب الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، فإن تلك الأيام كشفت لنا كثيراً من الحقائق التي لا تظهر عادة في أوقات الاستقرار. وكما قال الإمام الشافعي:
جزى اللهُ الشدائدَ كلَّ خيرٍوإن كانت تُغصِّصني بريقِيوما شكري لها حمداً ولكنعرفتُ بها عدوي من صديقي
لقد حاول النظام الإيراني، قبيل اندلاع الحرب، أن يفتح أبواب الدبلوماسية مع دول الخليج، وفتحنا نحن تلك الأبواب بحسن نية وبما عُرف عن شعوب الخليج من كرم وطبيعة مسالمة. غير أن التجربة أثبتت مرة أخرى أن بعض الأنظمة لا تُختبر حقيقتها إلا عندما توضع أمام اختبار الشدة، حيث تتكشف النوايا الحقيقية بعيداً عن الخطابات والوعود. وعلى الصعيد العسكري، تشير المعطيات إلى أن إيران استنزفت خلال الأيام الماضية من المواجهة جانباً كبيراً من قدراتها الهجومية، سواء من الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، فضلاً عن محدودية قدرتها الجوية على تنفيذ عمليات فعالة بعيدة المدى، وهو ما وضع النظام الإيراني أمام واقع عسكري بالغ الصعوبة.
ومع دخول قوى دولية مؤثرة مثل فرنسا وبريطانيا، وتفعيل المادة الثانية من اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل (C-SIPA) بين البحرين والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، فإن كثيراً من المراقبين يرون أن استمرار التصعيد من جانب إيران أصبح خياراً بالغ الكلفة، وربما خارج قدرتها الفعلية، خاصة في ظل غياب حلفاء مباشرين يقفون معها في هذه المواجهة.
لقد وجدت إيران نفسها اليوم في عزلة واضحة، نتيجة سياسات أضرت بعلاقاتها مع جيرانها قبل خصومها، وأغلقت الكثير من الأبواب التي كان يمكن أن تفتح مسارات للحوار أو التهدئة قبل أن تصل الأمور إلى هذا المستوى من التوتر.
ومع ذلك، فإن الأزمات الكبرى لا تكشف فقط موازين القوة، بل تكشف أيضاً معادن البشر. فقد اختبر الناس معنى الحياة في أوقات الخطر، وتعلم الجميع كيف يتعامل مع الطوارئ، حتى أصبح دوي الانفجارات الذي كان يرعبنا في الأيام الأولى جزءاً من واقع اعتاده الناس مع مرور الوقت.
كما أن مثل هذه اللحظات الفاصلة تظهر بوضوح من يقف مع وطنه ومن يختار الاصطفاف في الاتجاه الآخر، وهي دروس لا ينبغي أن تُنسى سريعاً أو تُمحى آثارها مع مرور الأيام.
وربما يأتي يوم قريب يطوي فيه التاريخ صفحة هذا النهج العدائي تجاه دول الخليج، ويأتي من يسعى إلى بناء علاقة طبيعية مع جيرانه، علاقة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم الإضرار بالآخرين.
وعندها، وكما فعلت دائماً، ستقف دول الخليج مرة أخرى إلى جانب شعوب المنطقة، تمد يد العون لمن يحتاجها، فهذه هي قيمنا التي نشأنا عليها: كرم، وجوار، وروح إسلامية لا تقبل أن يُترك جار في ضيق ونحن قادرون على مساعدته.
فالأزمات مهما اشتدت لا تدوم، والتاريخ يثبت دائماً أن أمن الخليج ليس حدثاً عابراً، بل معادلة راسخة تعرفها المنطقة جيداً.
* قبطان - رئيس تحرير جريدة «ديلي تربيون» الإنجليزية