انتهى الأسبوع الماضي بأخبار اقتصادية تحمل الكثير من الدلالات الإيجابية، كان أبرزها ما أُعلن خلال مشاركة وفد بحريني رفيع المستوى في مؤتمر «اختر فرنسا» الاستثماري، والذي يُعد من أهم الفعاليات الاقتصادية التي تجمع الحكومات والشركات العالمية مع كبار المستثمرين وصناع القرار في أوروبا.
وقد لفت الانتباه بشكل خاص الإعلان عن صفقتين تحملان أبعاداً استراتيجية مهمة؛ الأولى تمثلت في استحواذ شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) على أكبر مصهر للألمنيوم في الاتحاد الأوروبي، والثانية في توقيع شركة ممتلكات القابضة شراكة استثمارية مع شركة TRAIL الفرنسية للاستثمار من خلال صندوق «SLAM» المتخصص في قطاعات الرياضة والرفاهية والفنون والموسيقى.
وما يجمع بين الصفقتين هو أنهما لا تعكسان مجرد استثمار مالي عابر، بل تعبران عن نهج استثماري يقوم على قراءة دقيقة للاتجاهات الاقتصادية العالمية، والبحث عن فرص النمو في القطاعات القادرة على تحقيق قيمة مضافة طويلة الأجل.
ففي حالة «ألبا»، نحن لا نتحدث عن شركة صناعية عادية، بل عن إحدى أهم ركائز الاقتصاد البحريني. فصناعة الألمنيوم تشكل ما يقارب 12% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، وتعد من أكبر مصادر الصادرات الوطنية غير النفطية، كما ترتبط بها الكثير من الصناعات التحويلية التي توفر فرص عمل، وتدعم التنويع الاقتصادي.
ومن هنا يمكن فهم أهمية الاستحواذ على أكبر مصهر للألمنيوم في الاتحاد الأوروبي، بطاقة إنتاجية تقارب 300 ألف طن سنوياً. فهذه الخطوة تمثل مثالاً واضحاً لما يعرف في عالم الأعمال بـ«الاستحواذ الأفقي» (Horizontal Acquisition)، حيث تقوم شركة رائدة بالاستحواذ على شركة تعمل في النشاط نفسه وفي سوق جغرافية مختلفة.
والميزة الكبرى لهذا النوع من الاستحواذات أنه يمنح الشركة قدرة أكبر على الوصول المباشر إلى الأسواق الجديدة، وتعزيز الحصة السوقية فيها، والاستفادة من الخبرات والتقنيات المتوافرة في السوق المستهدفة.
وبالنسبة لألبا، فإن دخول السوق الأوروبية من خلال أصل صناعي قائم بالفعل يفتح أمامها آفاقاً واسعة في قطاعات استراتيجية مثل صناعة السيارات والطيران والتغليف والصناعات الهندسية المتقدمة.
أما الصفقة الثانية، فهي مختلفة في طبيعتها، لكنها تعكس المستوى نفسه من التفكير الاستراتيجي. فشركة ممتلكات اختارت الدخول في شراكة مع شركة TRAIL الفرنسية للاستثمار عبر صندوق SLAM وهو صندوق يعد من أوائل الصناديق الاستثمارية المتخصصة عالمياً في القطاعات التي تجمع بين الرياضة والرفاهية والفنون والموسيقى.
وقد تبدو هذه القطاعات بعيدة عن الصورة التقليدية للاستثمار، إلا أن الواقع الاقتصادي العالمي يشير إلى العكس تماماً. فالرياضة الاحترافية أصبحت صناعة عالمية تتجاوز قيمتها مئات المليارات من الدولارات، وتشهد نمواً متواصلاً مدفوعاً بحقوق البث والرعاية والإعلانات والاستثمارات المؤسسية.
كما أن قطاع المنتجات والخدمات الفاخرة يواصل تحقيق معدلات نمو قوية في العديد من الأسواق العالمية، فيما أصبحت الصناعات الإبداعية والثقافية جزءاً متزايد الأهمية من الاقتصاد الحديث.
وعند النظر إلى الصفقتين معاً، نجد أنهما تمثلان نموذجاً للتوازن الذي تحتاجه الاقتصادات الحديثة. فالأولى استثمار في قطاع صناعي تقليدي أثبت نجاحه لعقود طويلة ويشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، و الثانية تعد دخولاً مدروساً إلى قطاعات جديدة ذات إمكانات نمو مرتفعة.
وهذا ما يجعل نتائج مشاركة البحرين في مؤتمر «اختر فرنسا» جديرة بالتوقف عندها فهي تعكس نضجاً متزايداً في فلسفة الاستثمار البحرينية تقوم على تنويع الأصول، وتوزيع المخاطر، والاستفادة من الفرص أينما وجدت.