حين كانت كثير من دول المنطقة تسعى لاستقدام أول مطبعة، كانت البحرين قد أسست صحيفة سياسية تناقش قضايا أساسية مثل الهوية الوطنية وفلسطين واستقلال البلاد العربية، وفتحت صفحاتها للأدباء والمثقفين، وأصحاب الرأي، لذلك كانت جائزة سمو رئيس الوزراء للصحافة امتداداً لمدرسة صحفية، أسستها أجيال آمنت بأن الكلمة مشروع وطن، والصحافة ذاكرة أمة، وأضحى رعاية سموه لها ونيلها شرف حمل اسمه، تكريماً لها وتتويجاً لتاريخها الطويل وتأكيداً لمركزية موقعها في المشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه.

ولدت الصحافة البحرينية، متميزة في هويتها الصحفية ودورها الوطني، فحين أسس عبد الله الزايد جريدة البحرين 1939، لم يقصرها على الأخبار والأحداث السياسية العالمية التي شهدتها تلك الفترة، بل ربطها بالفكر والثقافة والأدب والتحليل العميق، لتغدو مدرسة شعبية تسهم في تكوين الرأي العام، والشخصية البحرينية، وذلك على عكس الصحف التي تولد متزامنة مع أحداث كبرى مثل الحرب العالمية الثانية، إذ أدرك مبكراً أهمية صحافة الرأي والخبر معاً بحكم الموقع الجيو استراتيجي للبحرين الذي جعلها مرتكزاً أساسياً في الأحداث العالمية.

ارتبطت صحافتنا الوطنية منذ إنشائها بأسماء لامعة في عالم الأدب والفكر والثقافة، إذ يسجل التاريخ في صفحاته الناصعة أسماء مثل إبراهيم العريض وعبدالله الزايد وتقي البحارنة وغيرهم، وهذا ما جعل المقالة الصحفية تنحو إلى المقالة الأدبية ذات المحتوى السياسي والاجتماعي، وسلكت طريقاً فكرياً موازياً للخبر الذي يقدم المعلومات بأسلوب تقريري، معتمدة على رشاقة العبارات وأدبية الأسلوب وجرأة الطرح وعقلانية النقاش، فأضحت صحافة جادة تناقش قضايا حقيقية، وأهداف وطنية بأسلوب ذكي لا يخلو أحياناً من خفة الدم والتهكم، وارتفاع المستوى اللغوي والتحريري وبروز العمود الصحفي الأدبي والساخر، مما جعل تأثيرها الثقافي والأدبي يمتد للنطاقين الخليجي والعربي.

لقد طرقت صحافتنا مبكراً أبواب الصحافة المتخصصة، حيث نبت في أرضها صحافة اقتصادية ونفطية وتعليمية وثقافية، منها ما صدر باللغة العربية وأخرى رأت النور بالإنجليزية، وما نشاهده اليوم من صحف وقنوات رياضية وثقافية عربية ودولية، ليس إلا تأكيد لريادة المؤسسين للصحافة البحرينية.

إن النقطة الأكثر تميزاً لصحافتنا الوطنية، هي النضج منذ الولادة، لأن من حملوا شعلتها كانوا أصحاب ثقافة موسوعية، ومبادئ وطنية، وتجربة شعرية وأدبية، وهذا ما جعل القضايا الوطنية والعربية حاضرة في كتاباتهم، وفي مقدمتها قضية هوية البحرين العربية، وقضية مكافحة الاستعمار للبلاد العربية، والقضية الفلسطينية، والدعوة للتعليم ونشر الفكر القومي والوحدة العربية، ورفض هيمنة الشركات الأجنبية النفطية، ولم يمنع عدم وجود مطبعة وطنية في ذلك الزمان، الرواد ومنهم عبدالرحمن الباكر وعبد الله الزايد وتقي البحارنة وإبراهيم العريض وعبد الرحمن رفيع وعلي سيار وغيرهم، من حمل هذه القضايا على أكتافهم والذهاب بآرائهم قاصدين الصحف المصرية واللبنانية والعراقية والهندية، ناقلين الخطاب الوطني البحريني إلى فضاءات أوسع.

لذلك فإن جائزة سمو رئيس الوزراء للصحافة، هي امتداد لتاريخ صحافة ولدت ناضجة، واستمرت حيوية، تدافع عن البحرين وهويتها في كل الأوقات، وما كان موقفها الوطني واحترافيها المهنية في تغطية الاعتداءات الأخيرة إلا دليلاً إضافياً على هذا التميز الصحفي، فكل كلمة على صفحاتها كانت تصرخ في وجه المعتدي، وتحيط قياداتها الرشيدة ورايتها الوطنية بسياج فولاذي يمنع اختراق هذه الجبهة الوطنية، وهذا يؤكد أن الجائزة ليست حدثاً منفصلاً عن هذا التاريخ، بل امتداد لريادة صحفية.